طق خاص
خالد ماسا
أثرت النتيجة التي خرج بها الهلال في الجولة الخامسة أمام المولودية الجزائري بالخسارة كثيراً في معنويات الشعب الهلالي، الذي لامست معنوياته السماء بعد التعادل والانتصار في الجولتين الثالثة والرابعة أمام الفريق الأقوى والأكثر سمعة في المجموعة، صن داونز الجنوب أفريقي. وأخذ بعض الجمهور يشكك في قدرة الفريق على الصعود إلى المرحلة المقبلة بحسابات معقدة، بعضها كان تحت أقدام لاعبي الهلال في مباراتهم الأخيرة أمام سانت إيلوي لوبوبو الكونغولي، وأخرى متعلقة بما ستسفر عنه نتيجة بريتوريا.
صعد الهلال بأقدام لاعبيه، واستشعارهم للمسؤولية الملقاة على عاتقهم، والآمال المعلقة عليهم من شعب صار متعطشاً للفرح في زمن عزّت فيه الابتسامة.
صعد الهلال إلى المرحلة التي تليق به وبمكانته التي اعتادها بين كبار أفريقيا؛ يتبدلون ويتغيرون، ويظل أزرق السودان هو الثابت في ظل متغيرات البطولة.
صعد الهلال إلى هذه المرحلة، وهذا بالضرورة نتاج طبيعي لجهد إداري كبير بُذل لتهيئة مناخ مثالي حول الفريق لتحقيق النتائج في البطولة الأفريقية، وصرف مالي على قدر الطموح يخلق فريقاً منافساً على التتويج بحق وحقيقة، يُشكر عليه مجلس الإدارة.
الأجواء المستقرة من القطاع الرياضي، والتركيز على نوعية اللاعبين الذين يدخلون في الكشف الهلالي بمعايير واضحة، تقول إن الرغبات الهلالية تجاوزت كثيراً مرحلة الأدوار التي اعتدنا الوصول إليها، إلى خطوات حقيقية نحو التتويج.
ينتصر ويصعد الهلال لأنه الآن يمثل “بورصة” الفرح للشعب السوداني، وأحد أهم مؤشرات استعادة طعم الحياة السودانية التي سرقتها الحرب، التي خربت عليه تعريف الفرح، فصار الحزن موزعاً في مدن النزوح وعواصم اللجوء، يتحسس الواحد فيهم بطاقات هويته عندما يسير فيها.
صعود يفتح الروح “ضلفتين” ناحية الهلال، القاسم المشترك الأكبر في حياكة الجلابية والتوب و”الجبة والسديري”، والعرضة بالسيف والسكين.
صعود يكسر المعادلات المنطقية لخبراء كرة القدم الذين يضعون الاعتبار للدوري القوي، والإمكانات الاقتصادية العالية، والدعم الجماهيري، والاستقرار، ليقدم الهلال نموذجاً غير مسبوق في كيفية مواجهة الظروف أولاً قبل مواجهة الخصوم.
صعود وانتصار، بالضرورة، يستحق الاحتفاء به إدارةً ولاعبين وجمهوراً وإعلاماً، إلا أن المهمة لم تنتهِ بعد، والمشوار لا يزال طويلاً حتى نقطة الوصول إلى حلمنا الذي لم نتنازل عنه لسنوات. ونحتاج هذه المرة إلى تركيز أكبر لإجراء مراجعات أعمق نقرأ فيها نقاط القوة والضعف في مواجهات الفريق السابقة، الفنية منها والإدارية، وما هو متاح من فرص التحسين.
تضاعفت المسؤوليات الآن على جميع مكونات المجتمع الهلالي، وصار الواجب يفرض على كل مكون الانتباه لأداء الفرض الهلالي بتجرد ونكران ذات.
حرمتنا ظروف الحرب من طعم الفرح في شوارع “العرضة”، ودخلة نادي الحركة الوطنية في العاصمة الوطنية أم درمان بزفة “الله.. الوطن.. الهلال”.
صعود هلالي أهدى كل مواطن ومواطنة سودانيين “حقيبة رمضان” ليصوموا ويفطروا على ألف خير، وليذهب ظمأ الحرب، وتبتل العروق على الأذان الوطني: “نحن جند الله، جند الوطن”.
صعود هلالي يشبه كثيراً تحليق الناقل الوطني Sudanair في سماء الخرطوم بعد أن حلّقت فيها الغربان، وتوقف النبض في بيوت الطين.
صعود يشبه ما تغنى به مصطفى سيد أحمد: “حاجة زي نقر الأصابع لما ترتاح للموسيقى”.. شيء يشبه صوت العطبراوي في الأغاني الوطنية، وعثمان حسين في “شجن”.
شيء يشبه كثيراً تحرير المدن، واستعادة الأسرى، وزغرودة البطن “الكُبّارية”، وإعادة فتح البيوت بعد سنوات الغياب.
انتصار الأمس هو شمعتنا السادسة والتسعون، أمضيناها في هلال الأمة عاشقين ومتبتلين ومؤمنين بأنه أكبر من نادٍ، بل هو هلال الأمة وضمادة جرحنا الوطني الكبير.
صعود وانتصار بتاريخ 14 فبراير، والإهداء فيه لكل الباحثين عن تعريف حقيقي للحب والعشق والانتماء لهلال الوطن على امتداد نيله وصحرائه، حاضره ومدنه، عربه وزنجه، تعدد أديانه وأعراقه؛ هناك في الإنقسنا وفي مُكرام، في حقول الجزيرة وفي نخيل الشمال؛ لقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء، ولجبيرة كسر المصابين.
وبعد هذا، علينا أن نضبط ساعتنا على توقيت التركيز في ما هو قادم من مواعيد في مسابقة كلما تقدمنا في مشوارها تعقدت حساباتها وزادت مطلوباتها، وعلينا التفكير في كل ما من شأنه زيادة تماسك المجتمع الهلالي ووحدته ووحدة أهدافه.












