بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
مع اندلاع الحرب التي أشعلها المتمردون ومرتزقتهم التهمت النيران أجمل ما في الخرطوم من مبان وأسواق ومقار حكومية وجامعات ومستشفيات وبيوت مواطنين. كل ذلك المحترِق، أو الذي نجا من الحرق لكنه أُتلف عن قصد لتذروه الرياح، يمكن إعادته رغم عظم الخسائر والتكلفة، وهو ما بدأت الخرطوم تشرع فيه بالفعل، لكن هناك خسارة لم يمكن تعويضها أبدا، وأعنى احتراق أو تلف الوثائق والمستندات والتاريخ والإرث الذي تحتويه!
ولعل احتراق الهيئة القضائية في الخرطوم وما تحويه من مستندات ورقية وملفات قضايا تم الفصل فيها وأخرى تنتظر الفصل، ووثائق تحدد أملاك الدولة وأملاك كثير من المواطنين، خير مثال لما أعنيه من الخسائر التي لا يمكن تعويضها أبدا!
وهناك أمثلة كثيرة تشابه احتراق الهيئة القضائية، منها حرق بعض الجامعات ـ جامعة المشرق مثال لذلك ـ وتضرر الإذاعة والتلفزيون، وبعض البيوتات التاريخية في الخرطوم وأم درمان وبحري.
ولعلي أقول بعد هذه المقدمة إن الإهمال وعدم مواكبة العصر كان لهما دور فاعل في ذلك!
فهذا العصر هو عصر “الحكومة الرقمية” بالمفهوم الواسع، والتي تعني فيما تعني تحويل المعاملات والمستندات الورقية إلى شكل إلكتروني، وذلك باستخدام البيانات والتقنيات الحديثة، لتقديم خدمات استباقية سهلة في زمن وجيز بنفقات قليلة وأمان كبير، مما يوفر الشفافية ويحسن جودة الحياة ودقة المعاملات!
فهل كان صعبا على الجهات الحكومية التي أتلفت وثائقها أن تحفظ تلك الوثائق الورقية في شكل تقني إلكتروني يسهل حفظه في أماكن كثيرة بتعدد نسخه وبصور متعددة؟
هل كان صعبا على الهيئة القضائية أن تدرب كوادرها على التقنية الإلكترونية وتحفظ ملفاتها مهما كثرت وكبر حجمها في صيغة الـ “بي دي اف” مثلا، وتوزع المحفوظ في حواسيبها في كل مدن السودان، وحتى في سفارات البلد بالخارج بعد توفير الحماية اللازمة؟
إن أقرب “مركز طالب” قرب أي جامعة يمكن أن ينجز ذلك وبأقل تكلفة!
وقد دُهشت فعلا من تصريح وزير الثقافة والإعلام والسياحة وهو يتفقد ما تبقى من محتويات المتحف القومي المنهوب، من أنه لا يوجد حصر لما كان محفوظا في المتحف من آثار ضائعة!!
بالله عليكم هل يوجد إهمال أكثر من هذا؟
هل كان صعبا على القائمين على المتحف ـ إن كانوا يجهلون تقنيات التصوير والأرشفة ـ أن يحضروا مصورا يصور لهم القطع الأثرية كلها ـ كل واحدة على حدة ـ بأبعاد ثلاثية ثم “يخزنها ومعها تعريفها في “فلاش” كبير، أو “هاردسك”، أو حتى يرسلها لهم في بريد إلكتروني لضمان الحفظ والصون؟
واضح أننا في السودان متخلفون عن عصرنا، وأننا نتعمد الإهمال واللامبالاة، ربما لغياب المحاسبة والرقيب، وأننا نحتاج لضخ كوادر جديدة في جسد مؤسساتنا الحكومية وغيرها، كوادر مؤهلة تؤمن بالتحول الرقمي، وتعمل به، حفظا لإرثنا وهويتنا من الاندثار!.












