هلال وظلال
عبد المنعم هلال
في كرة القدم لا يوجد لاعب كامل، لا في السودان، ولا في أفريقيا، ولا في أوروبا، ولا في أي مكان في العالم. اللاعب بشر؛ لديه أعصاب، وضغوط، وأيام جيدة وأخرى لا تسير كما يشتهي. المشكلة ليست في الخطأ ذاته، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع الخطأ.
أصبحنا نُعدم اللاعب على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب لقطة واحدة. تمريرة خاطئة تعني أنه انتهى. هدف ضائع يعني شطبه. هفوة دفاعية تشعل النار فيه وكأنها جريمة لا تُغتفر. يا جماعة الخير، كرة القدم لعبة أخطاء قبل أن تكون لعبة مهارات.
نجوم العالم الكبار أخطأوا ولم ينتهوا. الأسطورة زين الدين زيدان في نهائي كأس العالم 2006 نطح لاعب إيطاليا وطُرد في أهم مباراة في حياته. كانت غلطة كبيرة كلّفت فرنسا الكأس، لكن هل مُحي تاريخه؟ هل أصبح لاعبًا عاديًا؟ أبدًا. ظل زيدان هو زيدان، بل وأصبح لاحقًا مدربًا حقق دوري أبطال أوروبا ثلاث مرات متتالية.
إذا كان الكبار يخطئون، فكيف نطالب لاعبينا بألا يخطئوا؟ من الطبيعي أن يخطئ صلاح عادل، ومن الطبيعي أن يخطئ والي الدين “بوغبا”. لا يوجد لاعب معصوم. العطاء الذي قدموه، والمجهود الذي يبذلونه، يجعل أي خطأ في إطاره الطبيعي: خطأ يُصحَّح، لا جريمة يُعدم صاحبها.
ليس من المعقول أن نطالب اللاعب بأن يكون آلة. القرار في الملعب يُتخذ في جزء من الثانية، وصوت المدرجات فوق رأسه، والضغط من حوله نار. اللاعب لا يدخل الملعب ليخسرنا أو ليخطئ عمدًا؛ يدخل ليجتهد ويكسب، وقد يوفقه الله أو لا يوفقه.
ثقافة الذبح لا تبني فريقًا. المشكلة أننا أصبحنا جمهور رد فعل؛ لقطة واحدة تمحو تاريخًا، وشوط سيئ يلغي مجهود موسم كامل. كرة القدم لا تُبنى هكذا. الفريق الذي يفوز بالبطولات هو الفريق الذي يجد الثقة في أصعب لحظاته. حين يشعر اللاعب أن الجمهور يقف معه حتى بعد الخطأ، يلعب بقلبه. أما إذا شعر أن السكين جاهزة، فإنه يلعب بخوف، والخوف لا يصنع بطلًا.
الكمال لله وحده. كلنا نخطئ في بيوتنا، في أعمالنا، وفي قراراتنا، ولا نحب أن يجلدنا أحد عند كل سقطة. فلماذا لا نمنح لاعبينا المساحة نفسها؟ الكلمة مسؤولية. قد تشعل نار التعصب، وقد تطفئ نار الغضب.
نحتاج إلى ثقافة نقد، لا ثقافة تصفية حسابات. نقد هادئ يقول: هنا أخطأت، وهنا يجب أن تتحسن، دون تجريح أو إساءة أو تقليل من القيمة. البطولات لا تأتي بالجلد، بل بالصبر والثقة.
جلدنا المدافع عثماني ضيوف بألسنتنا، وانتقدناه بقسوة، وطالبنا بشطبه، وكأنه لا يملك فرصة للتعلم أو التطور. لكن الأيام دارت، والملعب رد. اليوم يقدم عثماني مستوى مميزًا بثقة وتركيز وروح مختلفة. ما الذي تغير؟ الثقة، والصبر، ومنحه فرصة جديدة.
اللاعب الذي تدفنه اليوم قد يكون صمام الأمان غدًا. فلنكن جمهورًا واعيًا، يفهم أن الخطأ ليس نهاية المشوار، وأن الثقة قد تصنع المعجزة.
نحن لا نبرر الأخطاء، ولا نقول إن الخطأ بلا حساب. الخطأ يجب أن يُراجع ويُقيَّم ويُصحَّح، لكن هناك فرقًا بين المحاسبة والذبح، وبين النقد البنّاء والهجوم الجارح، وبين تصحيح المسار وكسر المجاديف.
نريد لاعبينا أن يتحسنوا، لا أن نُحطمهم. نريدهم أن يتعلموا من الخطأ، لا أن يعيشوا تحته. الفرق الكبيرة لا تقوم على المثالية، بل على الصبر، والثقة، والاستقرار.
نحاسب نعم، ننتقد نعم، لكن بعدل، وبعقل، وبقلب نظيف. لأن من يخطئ اليوم قد يكون هو نفسه من يفرحنا غدًا.












