ابن خالي .. غياهب الأسر ونزيف الصبر
الزبير نايل
============
*********
كان آخر عهدي به قبل اندلاع الحرب اللعينة بثلاثة أشهر.. دنوت منه يوم فرح شقيقي الأصغر وقلت له ممازحا:
“إجازتي القادمة ستكون لحضور حفل زواجك”
ابتسم وردّ بصوته الهادئ:
“لو ربنا مدّ في أعمارنا سأحقق لك ماتريد يا ابن عمتي”.
منذ صغره كان “م” بن خالي لا ينطق بكلمة إلا وكانت محملة بصدق نقي وصفاء نادر…كان عند خالي بمنزلة يوسف عند يعقوب، لا يطيق فراقه ويذوي قلبه كلما طال غيابه، وكانت والدته شريكة ذلك الحنين.. يُذيبها القلق حين يغيب وتستعيد نضارتها كلما أطل عليها بوجهه الصبوح.
شبّ “م” في كنف المحبة وتربّى على قيم النبل والاستقامة حتى تخرج ضابطا، وكان يوم تخرجه فرحا تمدد في نفوس الأهل كأنما وُلد فيهم فتى أضاء مسارات الأمل وكأنّ فجرا أشرق في قلوبهم بالطمأنينة..فرحت أمي لابن أخيها فرحا كبيرا ووزعت أطباق الحلوى على أهل الحي..
واندلعت الحرب…
كان حينها بوحدته العسكرية في تلك المدينة النائية التي غدرت بها المليشيا الفاجرة.
انقطعت أخباره لنحو شهر ودخلت الأسرة في حالة من القلق حتى جاء اتصال بأنه أسير في سجن سوبا. لم يعرفوا كيف وصل إلى هناك، لكن الخبر على قسوته كان سارا، فمجرد كونه حيا ولو في كهوف الأسر كان كافيا ليبعث في نفوسهم الأمل..
غير أن هذا الأمل لم يدم طويلا.. فقد وصلت أنباء بعد فترة عن ترحيله مع مئات الأسرى من سجن سوبا إلى مكان مجهول وتضاربت المعلومات حول الجهة التي نقل إليها، ومضت الأيام بعد ذلك ثقيلة وأشد وطأة.
خالي انطوى على حزنه بصبر نبيل، يبتهل بالدعاء كلما ضاقت به الدنيا ويخفي دموعه في سجدة طويلة يناجي فيها ربه أن يعيد إليه يوسف قلبه، أما رفيقة دربه فتقضي لياليها في التضرع أن يحفظ الله فلذة كبدها.. في غفواتها القصيرة، يطلّ عليها ضي العين من منافذ الروح كأنه يريد طمأنتها ثم يختفي من جديد تاركا قلبها متأرجحا بين الأمل والانكسار. أما أشقاؤه فحبسوا دموعهم ووزعوا زاد الصبر القليل بينهم لمواصلة الحياة بوجوه تخفي أطيافا من الحزن.
مثل ابن خالي كثيرون.. رجال ونساء وشباب وكبار سن وجدوا أنفسهم أسرى الظلم وذاقوا صنوفا من الإذلال والأذى كأنهم أرقام في سجل انتقامي أعمى لا ذنب لهم سوى أن وحوشا سكنت أجساد هؤلاء الجنجا وقررت أن تجعل من العذاب طقسا يوميا.
بقي بن خالي معلقا في فؤاد أمه وأبيه كقنديل سراج يتأرجح ضوؤه في مهب الريح.. وفي كل ليلة حين يخفت الضجيج وتغفو المدن والقرى يستيقظ لديهم سؤال واحد:
كيف حال فلذة كبدنا الآن.. هل أنهكه الجوع.. هل وجد ما يقيه برد الليالي..كيف ينام وعلى أي وجع يتكئ.. وهل ابتسامته الوضيئة لا تزال قادرة على الصمود أم خفتت في تلك الدهاليز المعتمة؟ وإلى متى نصمد نحن في وجه هذا الوجع الطويل..
اللهم فك قيد كل الأسرى، وردّهم إلى ديارهم سالمين واربط على قلوب أمهاتهم وآبائهم وأهليهم وامنحهم من صبر أيوب ويقين إبراهيم وسكينة موسى ما يعينهم على هذا الغياب القسري واجبر كسر قلوبهم بجبر من عندك لا يخيب.












