بهدوء
علم الدين هاشم
لم تكن مباراة القمة بين المريخ والهلال ضمن منافسات الدوري الرواندي مجرد مواجهة عابرة في جدول الترتيب، بل شكّلت اختبارًا حقيقيًا للإرادة، وامتحانًا للثقة، وفرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين المدرجات والجهاز الفني. وكعادتها، أثبتت مباريات القمة أنها لا تخضع لمعايير ثابتة أو حسابات مسبقة؛ فلا أفضلية التاريخ، ولا استقرار النتائج، ولا حتى الفوارق الفنية، يمكن أن تضمن الانتصار، وإنما التفاصيل الصغيرة وحدها هي من تحسم النتيجة.
دخل المريخ اللقاء بروح مختلفة، وعزيمة واضحة، وانضباط تكتيكي، وقتال على الكرة طوال شوطي المباراة. وظهر نجوم الأحمر في أعلى درجات التركيز، وفرضوا شخصيتهم على مختلف خطوط الملعب؛ فكان الدفاع صلبًا، والوسط أكثر حيوية، والهجوم أشد شراسة ورغبة، باستثناء تراجع محدود في الدقائق العشر الأخيرة حين ضغط الهلال بحثًا عن العودة، إلا أن المريخ ظل الطرف الأفضل والأكثر إقناعًا.
في المقابل، بدا الهلال أقل حدة مما اعتاده أنصاره، خاصة إذا ما قورن أداؤه بما قدمه في دوري أبطال أفريقيا. وربما تسلل شيء من الثقة الزائدة إلى لاعبيه، فدفع الثمن أمام فريق لعب وكأنه يخوض مباراة حياة أو موت.
هذا الفوز الأحمر لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل انتصارًا معنويًا في توقيت بالغ الحساسية. فالمريخ كان يعيش على وقع تعادلات ونتائج باهتة في الدوري الرواندي، مما أدى إلى اهتزاز الثقة بين الفريق وجماهيره، وتصاعدت حدة الانتقادات ضد المدرب الصربي داركو نوفيتش، حتى اعتبر كثيرون القمة الفرصة الأخيرة له.
ومن باب الإنصاف، يجب الاعتراف بأن داركو نجح إلى حد كبير في إدارة المباراة فنيًا ونفسيًا، وقرأ الخصم جيدًا، وأحسن توظيف عناصره، وضبط إيقاع الفريق في اللحظات الصعبة. ولا نقول ذلك مجاملة، بل حقيقة أكّدتها أرضية الملعب.
المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة من نوع آخر، هي شجاعة المصالحة. وعلى جماهير المريخ أن تطوي صفحة الغضب، وتمنح المدرب الثقة لمواصلة مشروعه دون ضغوط متواصلة. فنجاح أي مشروع فني لا يولد بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى صبر واستقرار ودعم حقيقي.
فهل تنتصر الحكمة في المدرجات كما انتصر داركو داخل المستطيل الأخضر؟












