محمد صالح عبدالله يس ـ فرنسا
بت حبوبة زهراء بت حسن
كاتمة أسرار البروف أحمد الطيب زين العابدين
امرأة لم تكن عابرة في هذه الحياة، بل كانت وطنًا صغيرًا حملت أبناءها فوق كتفيها حين سقط الوطن الكبير. مات زوجها البروف مبكرًا، لكنها لم تمت؛ بل نهضت بهمة عالية، فكانت أبًا لأنور ورجاء وسناء وهاجر. ربّتهم أفضل تربية، وزرعت في قلوبهم معنى الكرامة قبل أن تمهّد لهم طريق التعليم.
كابدت، تعبت، سهرت، وربّت أبناءها كما تُربّى الشجرة في أرض قاسية، قليلة الماء، كثيرة الرياح؛ ومع ذلك أثمرت وأينعت. كانت سندًا لأبنائها، وقصة صمود، وشاهدة على زمن قاسٍ لم ينكسر فيه قلبها.
ثم جاءت الحرب اللعينة، فحملت ما تبقى من قلبها وخرجت – كما خرج كثيرون – تبحث عن أمنٍ ومأوى، تاركة بيتها ومراتع أنسها. لتلقى ربها في ود الحداد، مكان ميلاد البروف. ما أعظمه من وفاء؛ كأنها بادلت البروف حبًا أبديًا، ففاضت روحها في مهد ميلاده، في مدفن سرّته.
أقول لإخوتي أنور وسناء ووفاء: أمكم لم ترحل، هي فقط انتقلت من تعبٍ مرئي إلى راحة أبدية مستحقة. ما زرعته فيكم من صبر وأخلاق وشرف كفاح هو ميراثها الأبقى، فكونوا امتدادها الجميل في هذه الدنيا.
كنت أتمنى أن ألتقيها عبر هاتف زوج ابنتها، زميلنا أبوبكر، الذي أرسل رقمه لي الأستاذ نجيب عبدالله حسن لأتواصل معها؛ فهي خازنة أسرار البروف ومستودع تجربته العظيمة. كنت قد كتبت مقالًا في جريدة «الأيام» عن حبوبة زهراء بت حسن، استعرضت فيه جانبًا من مسيرتها وحياتها الباذخة، فاتصلت بي معجبة بما كتبت، ووعدتها أن نلتقي. لكنّها رحلت إلى ذلك العالم الذي لا تصله الأقاويل.
أقول لأسرة جدّنا حسب الله، ولأسرة جدّنا حسن: إن يمسسكم قرحٌ فقد مسّ القوم قرحٌ مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس. ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.












