داليا الأسد
نحلم بشكل رئيسي لمساعدة الدماغ على معالجة المعلومات، وترسيخ الذكريات، وتنظيم العواطف، والتخلص من الضغوط النفسية أثناء النوم، حيث تُعتبر الأحلام، خاصة في مرحلة «حركة العين السريعة» (REM)، نظامًا حيويًا للدماغ لمعالجة تجارب اليوم والتعلم، وقد تعمل أيضًا كآلية دفاعية لمحاكاة التهديدات أو التنفيس عن الرغبات المكبوتة.
فنجد أبرز التفسيرات العلمية والنفسية لسبب الأحلام في معالجة المعلومات والذاكرة؛ لأن الدماغ يعمل على نقل المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى طويلة المدى، مما يساعد في تثبيت التعلم وتذكر الأحداث. وأيضًا تعمل الأحلام على تخفيف حدة التجارب العاطفية المؤلمة وتفريغ القلق والمخاوف المكبوتة، مما يساعد في الحفاظ على التوازن النفسي. ويرى بعض الباحثين أن الأحلام، خاصة الكوابيس، هي محاكاة لسيناريوهات خطيرة أو مواقف اجتماعية لإعداد الإنسان للتعامل مع التهديدات في الواقع. ونظرًا لغياب المنطق الصارم، تتيح الأحلام للدماغ ربط أفكار غير متوقعة ببعضها، مما يولد حلولًا إبداعية للمشكلات.
وكذلك يقترح البعض أن الأحلام مجرد نتاج ثانوي لنشاط عصبي عشوائي أثناء النوم، يحاول العقل إضفاء معنى عليه. فتظل الأحلام ظاهرة معقدة، حيث تساهم حياتنا اليومية ومشاعرنا في تشكيل محتواها، مما يجعلها مرآة للعقل الباطن.
فمن ذلك نجد أن الأحلام عالمٌ موازٍ… نغفو فنغادر الواقع دون أن نغادر المكان، نغلق أعيننا بينما تفتح الذاكرة أبوابًا لم نطرقها، ويستيقظ الخيال ليكتب مشاهد لا نملك أمامها سوى المشاهدة. فنسأل أنفسنا كثيرًا: لماذا نحلم؟
ولماذا نحرص على تفسير الحلم؟
الحلم ليس حدثًا عابرًا، بل مرآة داخلية تعكس ما يختبئ في أعماقنا؛ ما نفكر به، ما نخاف منه، ما نتمنى حدوثه أو نخشاه، يتسلل من الوعي إلى اللاوعي ليعيد ترتيب نفسه على هيئة قصص قصيرة، بعضها جميل يبعث على الطمأنينة، وبعضها مربك يشعل القلق في صدورنا.
ولهذا نبحث عن التفسير… نركض خلف معنى يطمئننا، أو كلمة تفسر لنا ما خلف المشهد. فالتفسير ليس رغبة في معرفة الغيب، بل بحث عن سلام داخلي يزيل الخوف الغامض الذي يتركه الحلم في النفس.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل تستحق الأحلام كل هذا القلق؟
هل يجب أن نحملها معنا طوال اليوم وكأنها رسالة سماوية تنتظر ترجمة؟
في الحقيقة… لا.
الأجمل والأذكى أحيانًا أن نترك كل شيء على الله، وأن ندرك أن الحلم رسالة نفسية أكثر من كونه نبوءة، وأن الخوف منه لا يغيّر شيئًا، بل يزيد أعباء الروح، وأن نؤمن أن ما كتب الله لنا لن نحيد عنه، وأن القادم برحمة الله أجمل دائمًا، مهما أخافتنا المشاهد التي تمر في نومنا.
سيظل الإنسان يحلم، وسيظل يبحث عن معنى ما يراه، فهذا جزء من طبعه وتركيبته. لكن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من تفسير حلم، بل من ثقة عميقة بأن الله يدبر شؤوننا خير تدبير، وأن الغد يحمل من اللطف ما يغنينا عن كل خوف.












