يوم التأسيس.. جذور ثابتة ورؤية تصنع المستقبل
عباس الماحي ـ آكشن سبورت
يرمز يوم التأسيس إلى جذور راسخة في عمق التاريخ، وهوية وطنية متجذرة في القيم الإسلامية والعربية الأصيلة. فمن الدرعية انطلقت مسيرة دولة قامت على العدل وتحكيم الشريعة وتحقيق الأمن، لتؤسس نموذجًا سياسيًا واجتماعيًا متماسكًا في قلب الجزيرة العربية، شكّل نقطة تحول في تاريخ المنطقة.
وعلى مدى ثلاثة قرون، تعاقبت مراحل الدولة السعودية: الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، حتى تُوِّجت بإعلان توحيد البلاد عام 1932م على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، لتبدأ مرحلة جديدة من البناء الشامل تحت اسم المملكة العربية السعودية. ولم يكن التوحيد أمرًا يسيرًا؛ إذ واجه الملك عبدالعزيز تحديات سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة، وخاض معارك عدة، وسعى إلى جمع القبائل تحت راية واحدة بعد حالة من التنازع وعدم الاستقرار.
ومن أبرز صور التضحية في مرحلة التوحيد: الصبر على قلة الموارد، وتغليب المصلحة العامة، وترسيخ مفهوم الولاء للوطن، ونشر الأمن حتى أصبحت الطرق آمنة بعد أن كانت محفوفة بالمخاطر.
بعد إعلان التوحيد، انطلقت مرحلة تأسيس مؤسسات الدولة الحديثة، حيث أرسى الملك عبدالعزيز دعائم الأمن، وأنشأ الوزارات الأولى، ووضع اللبنات الأساسية للتعليم والإدارة والاقتصاد. وتتابعت مسيرة البناء في عهود أبنائه الملوك، فشهد عهد الملك سعود توسعًا في التعليم والخدمات، وعزز الملك فيصل المكانة السياسية والاقتصادية للمملكة عالميًا، وبدأت في عهد الملك خالد الطفرة الاقتصادية، بينما أعلن الملك فهد النظام الأساسي للحكم وأطلق مشروعات تنموية كبرى، وركز الملك عبدالله على تطوير التعليم والابتعاث والانفتاح، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود الذي أطلق مرحلة التحول الوطني الشامل ورؤية المملكة 2030.
اليوم، يقود صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مسيرة التحول الحديثة عبر رؤية 2030، التي أحدثت نقلة نوعية في الاقتصاد والمجتمع والثقافة والرياضة. ومن أبرز منجزاتها: تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، تمكين الشباب والمرأة، إطلاق مشروعات عملاقة مثل نيوم والقدية، تعزيز جودة الحياة، وتطوير القطاع الرياضي ليصبح صناعة تنافسية عالمية. وقد أصبحت المملكة مركز جذب للاستثمار والسياحة، وقوة صاعدة بثقة وطموح.
في القطاع الصحي، شهدت المملكة تطورًا ملحوظًا منذ تأسيس وزارة الصحة عام 1950م، حيث انتقلت من خدمات محدودة إلى شبكة متكاملة من المستشفيات والمراكز الصحية. وتبرز مستشفيات تخصصية مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، إلى جانب التحول الرقمي في الخدمات الصحية، والاستثمار في الكوادر الوطنية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 لرفع جودة الحياة.
أما التعليم، فقد كان حجر الأساس في النهضة السعودية، إذ انتشرت المدارس في المدن والقرى، وتأسست جامعات عريقة مثل جامعة الملك سعود وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، إضافة إلى برامج الابتعاث الخارجي التي أعدّت كوادر وطنية مؤهلة. ويشهد التعليم تحولًا رقميًا واسعًا، وتطويرًا للمناهج بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل.
ورغم الطبيعة الصحراوية، حققت المملكة إنجازات مهمة في الزراعة باستخدام التقنيات الحديثة، وأصبحت من أكبر منتجي التمور عالميًا، مع توجه متزايد نحو الاستدامة وترشيد استهلاك المياه. كما يُعد القطاع الصناعي ركيزة أساسية للاقتصاد، عبر الصناعات البتروكيميائية، والمدن الصناعية الكبرى مثل الجبيل وينبع، والتوسع في الصناعات العسكرية والغذائية، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
وعلى الصعيد الدولي، تؤدي المملكة دورًا طليعيًا في تعزيز الاستقرار الإقليمي، من خلال الوساطة والدبلوماسية ودعم مبادرات السلام، ومن أبرزها المبادرة العربية للسلام عام 2002م. كما استضافت قممًا ومؤتمرات عالمية، مثل قمة مجموعة العشرين عام 2020م في الرياض، إلى جانب منتديات اقتصادية ومؤتمرات في مجالات الطاقة والبيئة والذكاء الاصطناعي، مما عزز مكانتها سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا.
وتواصل المملكة شرف خدمة الحرمين الشريفين، وتطوير منظومة الحج والعمرة، وتوسعة المشاعر المقدسة، وطباعة المصحف الشريف، بما يعكس مكانتها الإسلامية الرائدة.
إن يوم التأسيس ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو عهد يتجدد ومسيرة مستمرة من البناء والطموح. فمن الدرعية إلى العالمية، ومن البدايات الراسخة إلى استضافة الأحداث الكبرى، تقف المملكة اليوم شامخة بقيادة حكيمة وطموح لا حدود له، مواصلةً مسيرة ثلاثة قرون من المجد والإنجاز.












