الطاهر يونس
كان يومًا غائظًا، مختلفًا ومرهقًا، والأشياء من حولي تتفاعل مع غلوّ حرارته. حتى مكيّف السيارة، وهو في أعلى درجات تشغيله، لم يستطع سوى أن يحرّك حبيبات العرق المنسابة على مقدمة الرأس يمنةً ويسرى.
كنت حينها قد خرجتُ رفقة بعض الضيوف الأجانب لإنجاز بعض المهام، ولكن منذ لحظة انطلاقتي من البيت صوب الفندق كان ينتابني إحساس غريب بأن شيئًا ما يوشك أن يقع؛ إحساس ثقيل يسبق الأحداث العظام عادة، وكأن الطريق يقودني إلى نقطة يُرفع عندها الستار عن أمرٍ جلل.
كنت طوال الوقت مسجونًا داخل تلك الخواطر، حتى رنّ الهاتف، وعلى الجانب الآخر كان (مهاتفي) الصديق والأخ ياسر عائس، وبصوت يختلط فيه القلق بالدهشة ابتدرني:
«أين أنت؟ لم أرك في هذا الحضور!»
أجبته، وقد بلغت دقات القلب ذروتها وتجمد الدم في عروقي: أي حضور؟ وماذا هناك؟
قال متعجبًا: «أنت ما عارف؟»
قلت: لا.
حينها أجابني، وكأنه يركل صخرة من أعلى جبل على رأسي: لقد رحل الزعيم… رحل الطيب عبدالله.
كان الخبر صاعقًا. في تلك اللحظة فقط صدق حدسي بأن اليوم ليس يومًا عاديًا، وكأن القدر اختار له الرحيل بذات طريقة حياته وحياة الكبار؛ حيث تأتي النهاية متوافقة مع ذات الظروف التي أصر فيها يومًا على خوض مباراة العودة أمام الترجي الرياضي التونسي متحديًا السلطات وهي في قمة غضبها. اختار له أن يكون رحيله في هذه الأجواء المشحونة، لتتضاعف مرارة الفقد، وكأن حياته حتى آخر فصل فيها كانت مباراة لا يعرف عنها سوى التقدّم إلى الأمام، متخطيًا كل الظروف.
كان يومًا عصيبًا على أمة الهلال، الكيان الذي أعطاه كل شيء. وحين سأله أحد الصحفيين ذات يوم: «يقال إنك بعت كل ما تملك من أجل الهلال؟» أجاب دون تردد: نعم… ولا أسف.
وكيف يأسف من سكنه حب الهلال؟
وكيف يندم من أقام النادي في دواخله سنين عمره المديدة، حتى صار هو والهلال وجهين لروح واحدة؟ لقد سكن الهلال في جوفه، وسكن هو في قلب الهلال، في تماهٍ يشبه قول الشاعر في عجز البيت: فتشابها وتشاكل الأمر.
حتى أحرف اسم الهلال كانت مزروعة في جوف اسمه، في تواصلٍ غريب بين الرجل ومن أحب. الطيب عبدالله لم يكن مجرد رئيس نادٍ، بل كان حالة وجدانية كاملة؛ حين يغضب يغضب للهلال، وحين يفرح يفرح له. أما حين يرهقه الزمن ويؤلمه البعد وكيد العوازل، يعود إليه كمن يعود إلى بيته الأول.
لم يسعفني الزمن بفرصة المجايلة أن أستمتع برفقته، ولكن تظل حكاوى الجنرال أبومرين، والحبيب هشام محمد أحمد، والصديق ياسر عائس مطبوعة بأحرف خالدة في الذاكرة. فالكبار يغيبون حين تُنسى حكاياتهم، وحكايات الطيب عبدالله عصيّة على النسيان ما دام في الذاكرة متسع لوفاء.












