نقطة… سطر جديد
عباس الماحي
إن في الأرض شواهد من الجنة، ونفحات تذكّر بها كل من ألقى السمع وهو شهيد. وما خُلق هذا الجمال عبثًا، بل هو خطاب للروح ورسالة مفتوحة لكل قلب حي: أن انظر، وتفكّر، واشكر. حين تمتد العين على بساط أخضر يعج بالحياة، أو تعانق قمم الجبال الغيم في سكينة مهيبة، أو يتلألأ البحر بلون الفيروز تحت شمس رحيمة، يدرك المرء أن الجمال تذكير دائم بالمنعم، وأن الأرض تحمل إشارات إلى فردوس موعود.
هناك بقاع أنعم الله عليها بوفرة الجمال، وسخاء الموارد، واعتدال المناخ، وأمن الطرقات، ونظام المعاملات؛ حتى ليخيَّل للناظر أنها قطعة من فردوس هبط إلى الدنيا. أراضٍ خصبة، وثروات ظاهرة وباطنة، وتعليم وصحة وأرزاق تتدفق بلا عناء شاق. كل شيء مهيأ ليكون الإنسان شاكرًا، خاشعًا، ممتلئًا امتنانًا لكل نسمة هواء وقطرة ماء.
لكن الجنة في الأرض ليست طبيعة وحدها ولا عمرانًا فحسب؛ إنها ابتلاء في ثوب نعمة. كم من أناس فُتحت لهم خزائن الرزق، وتكاثرت بين أيديهم الأموال، وأُحيطوا بالصحة والعافية، ومع ذلك لا يرتفع من بيوتهم حمد صادق ولا يُسمع فيها شكر خاشع. تتحول النعمة إلى متاع للزهو، لا طريقًا إلى الشكر؛ وتصبح البيوت ساحات لهو تكثر فيها الضحكات ويقل فيها الذكر، تُضاء بأنوار الزينة وتُطفأ فيها أنوار الخشوع.
كم من منزل واسع الأرجاء ضيق المعنى! وكم من مجلس عامر بالمدعوين، خاوٍ من حمد الله! يفاخر أهله بما جمعوا، ويتسابقون إلى ما يملكون، لكنهم يغفلون عمّن وهب وأعطى. يفرحون بالأولاد عددًا ولا يفرحون بهم صلاحًا، ويتباهون بكثرة المال ولا يتفكرون في حق الفقير فيه. وهنا تنقلب المعادلة؛ تصبح النعمة، إذا نزعت منها روح الشكر، ستارًا يحجب عن المُنعِم، وكان ينبغي أن تكون جسرًا إليه.
المفارقة المؤلمة أن هذه “الجنات” قد تسكنها قلوب غافلة. الطبيعة تسبّح بحمد ربها؛ الأشجار قائمة كالمصلين، والأنهار جارية كالتسبيح، والطيور مرتلة بلا انقطاع، بينما الإنسان، المكرم بالعقل، قد يختار أن يعيش أسير شهوته، غارقًا في مادته؛ يرتقي في البناء ويتأخر في المعنى، ويتقدم في الصناعة ويتراجع في البصيرة.
ليس المقصود ازدراء عمران أو إنكار تقدم؛ فالإتقان والنظام وحفظ البيئة قيم نبيلة تُحمد، لكن الجمال المادي وحده لا يصنع إنسانًا كاملًا. الكمال أن تُصان النعمة بالشكر، وأن يُقرن الرخاء بالتواضع، وأن يُستثمر العطاء في معرفة المُعطي. فالأرض التي تشبع الجسد ولا تروي الروح تبقى ناقصة، والبيت الذي يمتلئ بالأثاث ولا يمتلئ بالسجود يظل باردًا وإن ازدانت جدرانه.
أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر في الموارد، بل الفقر في المعنى. قد تعيش أمم في صحراء قاحلة وقلوبها عامرة بالإيمان، فتغدو الصحراء روضة وارفه بذكر الله. وقد تسكن أمم بين أنهار وجبال، لكنها إن قطعت صلتها بربها صارت كمن يملك القصر ويسكن الخراب.
“جنة الله في الأرض” ليست مكانًا بقدر ما هي حال. قد تكون في كوخ بسيط تعلو منه دعوات صادقة، وقد تغيب عن قصر فخم يضج باللهو. فإذا اجتمع جمال الطبيعة مع جمال الروح، واكتمل شكر النعمة مع حسن الانتفاع بها، اكتملت الصورة.
فلنجعل من كل نعمة باب حمد، ومن كل مال وسيلة إحسان، ومن كل ولد مشروع صلاح، ومن كل بيت محرابًا قبل أن يكون مجلسًا. فحين تسكن القلوب ذكر الله، تسكن الجنة فيها قبل أن تسكنها الأقدام؛ أما إذا غاب الشكر، فقد تتحول أبهى الجنات إلى فراغ موحش، وتبقى القصور عامرة بالحجارة، خالية من السكينة.












