- أفق بعيد
- سيف الدين خواجة
- أفهم الانقسام السياسي، وهو شرٌّ خطير، لكن أن يصل الأمر إلى انقسام رياضي بهذه الدرجة فذلك شيء لا يُصدَّق ولم نعهده في أجيالنا منذ الستينات والسبعينات. لا أذكر أنني دخلت مباراة دولية للمريخ وشجعت ضده. وبالأمس ذكر صديقي الدكتور الفاتح أنه يوم كأس مانديلا خرج إلى الشارع فوجد هلالاب يبكون من الفرح. هذا هو الوضع الطبيعي لنا كوطن ودولة، وهذا هو السقف الذي يجب أن نقف عنده: خط أحمر تجاه الآخرين مهما كانوا خصومًا في المنافسة.
- فجعتني زيارة وفد من المريخ في رواندا إلى السفارة المغربية بحجة التعاون، وهو تعاون مبطن للأسف، مع أنه لا مناسبة ولا حاجة لذلك، خاصة في ظل هذه الظروف الاستثنائية. هل وصلنا إلى هذه الدرجة من فوضى الحرية التي ندعيها؟ لا سبب لذلك سوى مواجهة الهلال ونهضة بركان القادمة، وهي مواجهة باسم الوطن والدولة بلا أدنى شك. ما كنت أظن أننا سنصل يومًا إلى هذا الردي بثقافة هشة لا تعرف الخطوط الحمراء في حدود المنافسة. والأسوأ من ذلك أن بعض جماهير المريخ تكرمت بالاتصال بفريق نهضة بركان لدعمه، وتعده بأنها ستشجعه.
- وجاء الرد من نهضة بركان صادمًا، يحمل رسائل عدة لو كان قومي يعلمون. قالوا لهم: “لدينا مشجعون كثر ولا نحتاج لكم، وفريقنا غني عن ذلك”. أول رسالة: ابقوا مع فريق وطنكم. وثانية: أي ناس هؤلاء الذين يبيعون وطنهم؟ وثالثة: إلى هذه الدرجة يكره بعضنا بعضًا؟ ورابعة: سخرية واضحة مما تفعلونه بوطنكم ودولتكم. هكذا تفوق نهضة بركان علينا خارج الملعب بأخلاقه العالية ووطنيته، وقوة أثر الدولة في التربية. لذلك المغرب اليوم من أفضل الدول كرويًا بعدة أجيال، لنظافة الفكر واستقامة الأفراد والتربية الوطنية.
- لا أتحدث عن حالة مثالية؛ فبلاد العالم كلها فيها تنافس بين الأندية، بل خصومات تاريخية، لكن سقفها الأحمر عدم تجاوز الوطن والدولة. أقرب مثال مصر؛ الأهلي والزمالك بينهما تنافس شديد، لكن هل شاهدتم يومًا في مباراة إفريقية أحدهما يشجع خصم الآخر؟ السبب بسيط: هذه مصر، الوطن والدولة. وأذكر ما قاله شوبير عام 1987 مستغربًا: “وجدنا من يشجعنا في السودان”. وكذلك عندما وصل الزمالك نهائيًا إفريقيًا في عهد كابرال، وسُئل مصطفى يونس بحكم أهلاويته: هل تشجع الزمالك؟ فجاء رده حاسمًا: “نعم أشجع الزمالك… دي مصر”.
- وصل بيراميدز نهائي إفريقيا، ومعلوم أن جماهيره قليلة لحداثة تاريخه، ومع ذلك دخل المباراة جمهور بالآلاف ولسان حالهم: هذه مصر. تُرى لو كان في السودان فريق مثل بري أو الأهلي أو النيل في النهائي، كم سيكون الحضور؟ غالبًا سيكون باهتًا لغياب الانتماء للوطن والدولة، بل ربما شجع بعضهم الخصم كما يحدث منذ الثمانينات. أي محنة انقسام نعيشها ونحن نضحك العالم علينا فيمد لسانه ساخرًا؟
- ولا أنسى كيف وعد أحد المسؤولين الأهلي بإقصاء الهلال فإذا به يتلقى الهزيمة ذهابًا وإيابًا. هكذا نحن بغياب عقلنا القومي وحضور عقلنا الرعوي، بثقافة هشة لا تقوم على أسس متينة، نبيع وطننا بسذاجة يضحك بها العالم علينا. إذا كان بعض حملة الأقلام يفتخرون بجمع الجهود لإقصاء فريق وطني، فماذا ننتظر من وطن كهذا وجبهته الداخلية متصدعة؟
- نحن في محنة حقيقية تحتاج إلى علاج ناجع وآليات رادعة حتى تستقيم الأمور. ما وصلنا إليه نتيجة هشاشتنا الثقافية وفكرنا الرعوي الذي لا يعرف معنى الوطن والدولة. ولن يعود الوطن إلا بعقل جمعي قومي يقول: هذا السودان، كما يقول غيرنا: هذه مصر أو المغرب أو تونس.
- فقط اخجلوا يا هلاريخ من هذا الانقسام، واجعلوا لاختلافكم سقفًا اسمه الوطن والدولة.












