في الصميم
حسن أحمد حسن
تعترف إحداهن وهي تقول:
كنتُ دائمًا أظن أنني “الأذكى” بين الجميع…
وأن الصمت قوة يمكن أن تُستعمل كما أشاء.
زوجة شقيق زوجي…
امرأة طيبة، قلبها على لسانها… إن غضبت صرخت، وإن فرحت ضحكت، وإن حزنت بكت.
لا تعرف أن تُجمّل مشاعرها، ولا أن تخفي غضبها أو تستر ضعفها.
كنتُ عكسها تمامًا…
هادئة، رزينة، محسوبة الكلمات، أُتقن فن الابتسام حتى وأنا من الداخل مشتغلة غضبًا أو غيرة.
وكان هذا الهدوء… سلاحي.
تعلّقت أم زوجي بي كثيرًا، تمدح هدوئي وتعقّلي، وتُقارن بيني وبين هند دائمًا…
وكنتُ أزيد النار اشتعالًا كلما لمّحتُ أمامها أن “هند طيبة، لكنها عصبية”، كأني أقول بين السطور: انظروا كيف تفشل هي وكيف أنجح أنا.
وبدأت الحرب الهادئة… تلك الحرب التي لا ترى فيها سلاحًا، لكنها تذبح بالبطء.
كنتُ أسكب قليلًا من الماء في ممر البيت كي ينزل على باب شقتها،
وعندما تصرخ، أرفع حاجبيّ بدهشة مصطنعة قائلة:
“والله غلطة… انشغلت بس… بس يمكن لو تنظّفون الممر عندكم ما كان نزل لهالدرجة.”
وإن تأخرت عن زوجها في الأكل بسبب انشغالها بأطفالها، أرسل لهم طبقًا مليئًا بالطعام، وأبتسم لزوجها قائلة:
“لا تشيل هم… البيت بيتك… وأنا أختك.”
بينما داخلي يقول:
انظر كيف أقوم بدور الزوجة التي لا تقصّر… وتعلّم *زوجتك كيف تكون.
وضعتُها في مواقف كثيرة جعلتها تظهر أمام الجميع كأنها عصبية… غير ناضجة… غير جديرة بالاحترام.
حتى صار زوجها يعاتبها دائمًا:
“شوفي زوجة أخوي… شوفي أدبها… شوفي هدوءها… روّقي شوي بس!”
وحصلتُ على كل ما أردت…
أنا زوجة الابن المثالية، الهادئة، التي تُرفع فوق الرؤوس…
وهي الزوجة “المزعجة” التي تُعطي صورة سيئة عن البيت.
لكن…
دوام الحال من المحال.
كبر أولادي… وكبر أولادها.
وتعلّق ابنها الأوسط بابنتي.
العلاقة كانت واضحة أمام الجميع…
كان يحبها بصدق.
إلا أنني رأيت نظرة الرفض في عينيها عند أول ذكر لفكرة الخطوبة.
كانت نظرة امرأة مجروحة… ليست غاضبة، بل مجروحة مني أنا تحديدًا.
وعرفت أن ابنها… لن يخطو خطوة واحدة دون رضاها.
ولو هزّت رأسها بالرفض، سينسحب فورًا.
كان يقدّس أمه… يحبها بطريقة تمنّيت لو أحبني أحد بهذا الصفاء.
وفي يوم… وأنا على فراش المرض، جسدي ينهشني وكأني أُحاسَب قبل أن أصل لحساب ربي، طلبت رؤيتها.
دخلت وهي مترددة… لكنها جاءت.
نظرتُ إليها… ولم أعرف من أين أبدأ.
كيف أعترف؟
كيف أقول لها إنني ظلمتُها… طعنتها… آذيتها بلا سبب؟
انهرتُ أمامها، وقلت بصوت مكسور:
“سامحيني… ما بس عشان أولادنا… عشان ربي… عشان أنا خايفة أروح له وحسناتي وقعت بسببك.”
لم تبكِ…
لم تصرخ…
لم تشتم.
قالت فقط:
“الله يسامح الجميع… وكل واحد بيأخذ حقّه عند ربّه.”
وكانت تلك الجملة أثقل من أي صراخ، وأقسى من أي غضب.
تعلمتُ يومها أن الهدوء… مثل السكين.
إن استُعمل لإصلاح القلوب أصبح نعمة،
وإن استُعمل لإيذاء الناس صار مصيبة تُحاسَب عليها قبل أن تُدرك حجمها.
“يا ليتني لم أفعل”.
أنا… زوجة الأخ الهادئة التي ظنّت نفسها ملاكًا.
الخلاصة:
متقلب الود لا يؤتمن، وفاضح السر لا يؤتمن، وناكر الجميل لا يؤتمن، وكاسر الخواطر لا يؤتمن، ومن يأتيك وقت فراغه لا يؤتمن.












