ذكرياتي مع الشيخ الوالد محمد أحمد حسنـ الحلقة الثامنة والأخيرة
بقلم :الدكتور الإعلامي محمد عثمان
حقيبة الأمانات.. السر الذي كُشف بعد الرحيل
آخر حديث مع الشيخ.. كلمات وداع لا تُنسى
رؤى بعد الرحيل.. شهادات محبة بعد الرحيل
بشارات في المنام.. .. الشيخ تحت شجرة العلم
في الحلقة الثامنة والأخيرة المؤثرة من كتاب ذكرياتي مع الشيخ الوالد محمد أحمد حسن، يروي الدكتور الإعلامي محمد عثمان تفاصيل الأيام الأخيرة في حياة الشيخ الراحل، مستعيدًا آخر مكالمة هاتفية جمعته به قبل وفاته بيوم واحد فقط. كلمات قليلة لكنها كانت مليئة بالسكينة والإيمان والرضا بقضاء الله. كما يكشف الكاتب جانبًا إنسانيًا عظيمًا من حياة الشيخ، حين تُفتح حقيبته بعد وفاته لتُكتشف وصيته التي لم تكن مالًا أو ممتلكات، بل قائمة بأمهات الأيتام الذين كان يتكفل بهم، مع تفاصيل إعانتهم الشهرية حتى نهاية العام. وتنتقل الحلقة بعد ذلك إلى شهادات ورؤى ومنامات رآها بعض محبيه بعد وفاته، تعكس مكانته في قلوب الناس وأثره العميق في حياتهم، ليبقى الشيخ محمد أحمد حسن نموذجًا للعلم والدعوة والعمل الخيري الذي يظل أثره حيًا حتى بعد الرحيل.
المكالمة الأخيرة
قبل وفاة الشيخ بيوم واحد، وفي ثاني أيام العيد، اتصلت به للاطمئنان عليه. رد على الهاتف ابنه أحمد وقال إن الشيخ مريض منذ أسبوع، وأضاف أن والده سأل عني بالاسم في الصباح.
طلبت أن أحدثه، فأعطاني الهاتف. كان صوته مختلفًا عن كل مرة؛ صوت متعب يدل على أثر المرض. قلت له:
“يا شيخ، لا بأس عليك، طهور إن شاء الله، وكل عام وأنت بخير.”
فقال:
“منذ أيام أعاني من احتباس البول، وذهبت إلى الطبيب فركّب لي قسطرة، ولم أعد أنام.”
طمأنته وقلت له إن الأهم أن يهتم بالأكل والراحة، فقال بصوت خافت:
“نفسي أبت الأكل تمامًا.”
اقترحت أن نرتب له موعدًا مع أخصائي مسالك بولية في اليوم التالي، فقال إن الطبيب الذي زاره إنسان طيب وكفء. قلت له إنني سأنسق الأمر مع ابنه أحمد.
أنهيت المكالمة بالدعاء له، ولم أكن أعلم أنها المكالمة الأخيرة.
بين المرض واليقين
في اليوم التالي ذهب الشيخ إلى الطبيب وعاد إلى المنزل. وبعد عودته شعر بتعب خفيف، فاستدعوا طبيبة جارة لهم لتطمئن عليه.
بعد أن فحصته قالت له:
“أنت بخير، لكن يبدو أنك تخاف من الموت.”
ابتسم الشيخ وقال بثبات المؤمن:
“أنا لا أخاف من الموت… وكلنا سنموت.”
ثم تلا قول الله تعالى:
﴿كل نفسٍ ذائقة الموت﴾.
دعاء الأيام الأخيرة
يروي ابنه أحمد أن الشيخ في أيامه الأخيرة كان يكثر من الدعاء:
“اللهم أحيني إن كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إن كانت الوفاة خيرًا لي.”
وفي لحظاته الأخيرة أوصى ابنه قائلاً:
“الشنطة دي فيها أمانات… بعدين افتحوها وأدوها لأصحابها.”
كما كان يطلب منه تشغيل الراديو على إذاعة القرآن الكريم ليستمع إلى تلاوة القرآن.
اللحظات الأخيرة
وقبل وفاته طلب الشيخ من ابنه أحمد أن يتصل بإخوته ليحضروا جميعًا.
فلما اجتمعوا قال لهم:
“حمّموني.”
فغسلوه ولبس ثوبه العراقي الجديد، ثم استلقى قليلًا… وبعد لحظات فاضت روحه إلى بارئها.
وصية الأيتام
بعد وفاته فتح أبناؤه الحقيبة التي أوصى بها.
وجدوا ظرفًا كتب عليه: “وصية مهمة جدًا“.
داخل الظرف كانت قائمة بأسماء أمهات الأيتام اللاتي كان الشيخ يكفلهن، مع أرقام هواتفهن وعناوينهن وطريقة استلام المساعدات.
كما وجدوا ظروفًا مالية مكتوبًا عليها أسماء المستفيدات وتواريخ الصرف لكل شهر حتى نهاية عام 2020.
عندما اتصلت ببعضهن وأخبرتهن بوفاة الشيخ بكين بحرقة.
قالت إحداهن:
“الشيخ ما نسانا وهو حي… وبرضو متذكرنا بعد موته.”
وقالت أخرى:
“والله نحن ما كان عندنا زول في الدنيا بعد الله غير الشيخ… ما عارفين حنعمل شنو بعد وفاته.”
رؤى بعد الرحيل
بعد وفاة الشيخ، روى عدد من محبيه رؤى ومنامات رأوه فيها.
تقول الأخت ريري نزار إنها رأت الشيخ في برنامج للفتاوى، وكان الناس يشتكون له من المرض والوباء، فقال لهم:
“اعتبروا أنفسكم معتكفين، وأكثروا من الصلاة والصيام وقراءة القرآن… وسيرفع الله الوباء قريبًا.”
رؤية من مكة
أما السيدة أم كلثوم الحسن المقيمة في مكة المكرمة، فتروي أنها رأت الشيخ بعد وفاته في حلم واضح.
تقول إنها كانت تقرأ القرآن في الليل، وبعد أن ختمت وردها نامت فرأت الشيخ جالسًا تحت شجرة عظيمة خضراء كثيفة الظلال، متكئًا على عصاه، ويرتدي مشلحًا بلون بيج، وعلى وجهه ابتسامته المعهودة.
تقول:
“كانت الشجرة عظيمة الخضرة، حتى إن أوراقها كانت كثيفة لا ترى معها الأغصان.”
وأضافت أنها فسّرت الشجرة بأنها رمز للعلم الذي نشره الشيخ بين الناس.
“تلك الدار الآخرة“
وتقول الأخت أم صهيب إنها رأت الشيخ في المنام جالسًا على سرير في أرض خضراء واسعة.
اقتربت منه وسلمت عليه، ولاحظت أن نصف جسده أخضر اللون.
سألته عن ذلك، فأجابها:
“تلك الدار الآخرة.”
وعندما روت الرؤيا فسرتها بأن هذه الرؤية بشارة بحسن حال الشيخ في الدار الآخرة.
أثر لا يزول
هذه بعض الذكريات التي عشتها مع الشيخ الوالد محمد أحمد حسن.
أعتذر إن قصرت في حقه، فالكلمات مهما كثرت لا يمكن أن تحيط بعطاء رجل عاش للعلم والدعوة وخدمة الناس.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجمعنا به في الفردوس الأعلى إخوانًا على سرر متقابلين.
أبيات رثاء في الشيخ محمد أحمد حسن
أرسلها أحد محبي الشيخ
في ليلةٍ والندى فوق الربى هطال
جاء النداء فقال: الشيخ قد رحل
مضى الحبيب فخلّى الأرض مظلمةً
فالناس ينعون هذا الفارس البطل
باكٍ يقول بأن الشيخ ذا خُلُقٍ
وآخرٌ لمصاب الفقد ما احتمل
فقال: كذب بذي الأخبار قائلُها
وعَظَ بإثبات صدق القول من نقل
والشيخ قد ودّع الدنيا برمتها
في يوم ثالث فطرٍ صافح الأجل
وقد تقدّم قومٌ للصلاة به
يؤمّهم حافظٌ من نهره نهل
أعني به ابن إسماعيل سيدنا
كالبدر يشرق في الآفاق مكتمل
جاءوا إليه وهم بالحزن قد رجعوا
كحزن خنساء لما صخرها رحل
مفقودنا اليوم في كل البلاد له
نجمٌ من العلم يهدي الناس ما أفل











