ضحك النميري من رده تحت شجرة ود نوباوي
ذاكرة أم درمان
يروي ضاحكًا: من الخوف قرأت السلام الجمهوري بدل الفاتحة
صلاح إدريس يختبر ظرفه.. والرد يفجر الضحك
لام طه علي البشير في مرضه فجاءه الرد مفاجئًا
لو بقيت لينين ما حنقبضك.. رد أبو رفاس في المظاهرات
من أقواله : “بكاء في الملازمين ولا عرس في العباسية».
عبدالمنعم عثمان (ديم الكبير) ـ آكشن سبورت
أم درمان ليست مجرد مدينة في جغرافيا السودان، بل ذاكرة نابضة بالحكايات والوجوه التي صنعت ملامحها الاجتماعية والثقافية عبر العقود. وفي أرشيفها الشعبي شخصيات تركت أثراً لا يُمحى في وجدان أهلها، ليس بالمناصب ولا بالسلطة، بل بخفة الروح والذكاء الاجتماعي والقدرة العجيبة على نسج العلاقات بين الناس. ومن بين تلك الشخصيات الفريدة يبرز اسم الهادي نصر الدين الحاج القرشي الشهير بـ«الهادي الضلالي»، أحد أشهر ظرفاء أم درمان ومعالمها الاجتماعية.
كان الهادي موسوعة حية في الأنساب والعائلات، يعرف البيوت وأهلها كما يعرف الأزقة والطرقات، وصار حضوره جزءاً من الحياة اليومية في المدينة. كان صوته وحكاياته أشبه بـ«إذاعة متحركة» تدخل كل البيوت، تحمل الطرفة والذكريات وتوثق حياة مجتمع كامل.
ذاكرة حديدية
كل الناس تعرفه، وهو يعرف كل الناس.
يعرف الأنساب والقبائل والعائلات، ذاكرة حديدية بحق. قد لا تعرفه أنت، لكنه يعرفك، ويعرف نسبك، وبيتكم في أي حي وبابه مقابل وين.
ويعرف اسمك واسم حبوبتك أيضاً.
اجتماعي من الدرجة الأولى، لا تفوته مناسبة:
بكاء، مرض، عرس، حفلة، خصوصاً إن كان فيها الفنان إبراهيم عوض.
إما حضرها، أو ينوي الذهاب إليها، ويحثك على حضورها.
علاقات واسعة
كانت له علاقات قوية مع رؤساء ووزراء السودان السابقين، وكانوا يهابون لسانه، لأنه كان بالفعل إذاعة متحركة.
في الأعراس كان أهل أم درمان يدعونه لكتابة الدعوات وتوزيعها، فيما يسمى قديماً «يوم كتابة البصل».
كان محبوباً لوضوحه وبساطته.
محبة الناس
انعكس حب الناس له في مناسبتين:
الأولى عند وفاة والدته – رحمها الله – في مقابر أحمد شرفي، حيث اشتد التدافع لدرجة أنهم رفعوه فوق عربة لاندروفر ليشكر الناس ويودعهم.
أما الثانية فكانت يوم زواجه، حيث كان الحضور استفتاءً حقيقياً أكد مقولة:
«القدم بالقدم والمجامل ما بندم».
حس جمالي
كان يعشق الجمال والأناقة، ويكره القبح و«الشنا» ويجاهر بذلك.
وقد قمت أنا بتغيير اسم شهرته من الضلالي إلى الدلالي لعدة أسباب:
- التسمية الأولى قبيحة.
- المعنى لا ينطبق عليه.
- الدلالة تناسب شخصيته باعتباره إعلاماً متحركاً.
طرائف الملازمين
كان يحب الأحياء الجميلة، خصوصاً الملازمين وساكنيها، بينما كان يمزح دائماً مع حي العباسية.
وكان يقول:
«بكاء في الملازمين ولا عرس في العباسية».
بل كان يبالغ في مزاحه فيقول إن بنات العباسية يوصلن أولاد الملازمين إلى بيوتهم بعد الحفلات.
وكان يضيف ضاحكاً:
حتى غنم الملازمين متحضرة مقارنة بغنم الأحياء الأخرى.
موقف طريف
في إحدى حفلات الملازمين التي كان يغني فيها إبراهيم عوض، وبعد أحداث المولد الشهيرة، سمع الناس صوتاً يشبه الرصاص فهربوا من الحفلة.
سألوه:
ما الحاصل؟
فقال بهدوء:
«أبداً.. دي ما رصاص.. دي منقة طرشقت في التلاجة!»
مجامل كبير
كان يحب المجاملة مثلما يجامل الناس.
وعندما أجرى عملية في عينه، زاره الناس من مختلف الطبقات.
زرته أنا مرة، ثم زرناه مرة أخرى مع فريق الدافوري بود نوباوي «أصدقاء الجمعة».
أمسكني على جنب وقال:
«طه علي البشير أظنه ما سمع.. لأنه ما جاني».
وصلت الرسالة، وبعد فترة جاء طه في زيارة.
وفي اليوم التالي سألته ماذا حدث، فقال:
«يا أخي طه سلّم علي سلام تمام التمام.. مش زي سلامكم كسر رقبة».
مواقف ظريفة
التقى مرة بالسيد صلاح إدريس، فحيّاه الأخير قائلاً:
سمعنا أنك ظريف وبتاع نكتة وبتحب الفن والرياضة…
فقاطعه الهادي قائلاً:
«ما قالوا ليك مفلس؟»
رد سريع
مرة سأله رجل غريب في المحطة الوسطى:
المحطة الوسطى وين؟
فسأله الهادي:
انت من وين؟
قال:
من صقع الجمل.
فرد الهادي فوراً:
«نحن بنجيكم في صقع الجمل.. انتو بتجونا هنا ليه؟»
مناظرة المال
في مأتم الشاعر أحمد بشير العبادي، كان يناقش المرحوم مختار عباس «مخ».
كان السؤال:
العلم أهم أم المال؟
مختار قال: المال.
فقال له الهادي:
لو أولادك ساقطين تعمل شنو؟
رد مختار:
أعمل جامعة وأقريهم فيها.
فضحك الهادي وقال:
«لو ما العلم.. أولاد عم أحمد عبادي ديل كان بقوا رباطين في الترماج».
مواقف سياسية
في أيام حل الحزب الشيوعي خرجت مظاهرات طلابية.
شارك الهادي في الهتاف، وكان الضابط بدر الدين أبو رفاس يقود القوة.
تم اعتقال الطلاب، لكنهم لم يقبضوا عليه.
فاحتج قائلاً:
لماذا لم تقبضوني؟
فقال الضابط:
«والله لو بقيت لينين ما حنقبضك».
مع نميري
كان الهادي معروفاً لدى الرئيس السابق جعفر نميري.
ذات يوم وجده جالساً تحت شجرة في ود نوباوي.
قال له نميري:
مالك قاعد هنا؟
قال:
«ما الكهرباء قاطعة».
فقال نميري:
بتقول للناس الرئيس عنده بيت في لندن؟
قال الهادي:
«معقول أقول الرئيس ساكن بالإيجار؟!»
فضحك نميري وقال:
«الكهرباء حترجع.. أمشي البيت».
داخل المسجد
مرة حاول دخول المسجد وقت صلاة المغرب، فضايقه الحرس لأنه بجوار الرئيس.
لكن نجح في الدخول وصلى بجانب نميري.
بعد الصلاة أمسك نميري جلابيته وقال:
وين يا الهادي؟
قال:
«يا ريس انت تشدني من جلابيتي والحرس يعصروني… من الخوف بدل الفاتحة قريت السلام الجمهوري».
فقد كبير
رحم الله العم الهادي نصر الدين الضلالي.
كان فقده كبيراً لأم درمان وللوطن.
ومعه المرحوم كمال سينة كانا من فاكهة المدينة.
روح أم درمان
أم درمان سر الجمال.
يكفي أنها مدينة الهلال والمريخ والموردة.
مدينة الأصالة والريادة.
كما قال الفنان ترباس:
«ما بنمشي لناس ما بجونا… في القلعةرجعوا يعذبونا».













