رأي مباشر
محمد الفاتح محمد نور مختار
• عندما يلتقي النيل بالصحراء في شمال السودان تولد حكايات منسوجة من طين الماء وصلابة الرمل. وفي قرية صواردة بمنطقة السكوت وُلد، في التاسع عشر من يوليو عام 1932، طفل لم يكن كغيره من الأطفال؛ طفل سوف يصبح لاحقًا أحد أعظم الأصوات في تاريخ الفن السوداني، ورمزًا فنيًا وثقافيًا تجاوزت أصداؤه حدود الوطن إلى إفريقيا والعالم العربي.
• نشأ محمد وردي في بيئة نوبية غنية بالإيقاع والتراث، حيث تختلط الأغاني الشعبية بصفاء النيل وهدوء القرى. وفي تلك البيئة تشكّل وعيه الفني المبكر، فحمل في صوته روح الأرض التي أنجبته. والمفارقة أن العام نفسه الذي شهد ميلاد وردي كان عام رحيل الفنان والمناضل خليل فرح، أحد أبرز رموز الأغنية الوطنية في مواجهة الاستعمار البريطاني، وكأن التاريخ أراد أن تنتقل الراية من جيل إلى جيل؛ من صوت خليل فرح الثائر إلى صوت وردي الذي سيحمل الغناء السوداني إلى آفاق جديدة من الوعي والجمال.
• الحقيقة أن محمد وردي لم يكن مجرد مطرب، بل كان مدرسة فنية مختلفة الكم والكيف. جمع في تجربته بين الأصالة والتجديد، فاستلهم من التراث النوبي والسوداني بإيقاعاته المميزة، ثم أعاد صياغته بلغة موسيقية حديثة. وبهذا المزج الفريد استطاع أن يصنع هوية موسيقية مميزة جعلته يُلقّب بـ فنان إفريقيا الأول.
• كما تميز بكونه أحد أكثر الفنانين السودانيين إحياءً للحفلات الجماهيرية، سيما المنعقدة خارج حدود الوطن. وأعتقد جازمًا أن حفله باستاد أديس أبابا الدولي عام 1994 هو أبرز حفل يحييه فنان سوداني عبر التاريخ.
• لم يكن وردي فنانًا منعزلًا عن قضايا شعبه المفصلية، بل كان صوته جزءًا من حركة الوعي الوطني في السودان بشكل عام. فقد ارتبط اسمه بالأغنية الوطنية ارتباط السوار بالمعصم، حيث انطوت أغنياته على مضامين واكبت التحولات السياسية والاجتماعية في البلاد، فغنّى للحرية والكرامة والعدالة ودولة المواطنة والمؤسسات.
• والشاهد أن هذا النضال والإيمان بالقضية والثورة على المألوف عرضاه، في فترات مختلفة من حياته، للملاحقة والنفي بسبب مواقفه السياسية، لكنه ظل متمسكًا برسالته الفنية والإنسانية، مؤمنًا بأن الغناء يمكن أن يكون أداة للتغيير وبث الأمل في نفوس الشعوب.
• رحل محمد وردي في 18 فبراير 2012، لكنه لم يغب عن الذاكرة. فما زالت أغانيه تُغنّى في البيوت والشوارع، وفي أقصى أقاصي البلاد شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا، وفي كثير من الدول المجاورة. ولم تغب أبدًا هذه الأغاني عن المناسبات الوطنية، على الرغم من تغيّر الأيديولوجيات والحكومات، إلا أن الإجماع كان على وردي الوطن، فما زال صوته يرافق السودانيين أينما كانوا.
• الحقيقة أن وردي تجاوز أن يكون فنانًا فقط؛ فهو ذاكرة وطن، وضمير شعب، وجسر موسيقي بين النوبة والسودان وإفريقيا والعالم العربي. وفي كل مرة يُستعاد صوته يبدو كأن النيل نفسه يهمس بأغنية قديمة… أغنية كتبها الماء وغناها رجل اسمه محمد وردي.













