نبض القلم
علي العُجبة
في زمن صار فيه الإيقاع سريعا، والكلمة تقال قبل أن تُفكر، والقرار يُتخذ قبل أن يُوزن، تبرز قيمة التريّث بوصفها إحدى علامات النضج وسمات العقول الراجحة. فالعجلة قد تبدو قوةً في ظاهرها، لكنها كثيرا ما تُخفي ضعف التأمل وضيق الأفق، بينما يمنح التريّث صاحبه مساحةً للفهم، وفسحة للحكمة، ووقارا في التصرف.
في المجال الأسري :- كم من علاقةٍ تضررت بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب، أو حكم صدر على عَجَل دون فهم كامل للموقف.
الأسرة تحتاج إلى قلب يتأنّى قبل أن يغضب، وعقل يتريّث قبل أن يحكم.
فالتريّث هنا ليس مجرد خلقٍ جميل، بل هو صمام أمان يحفظ الودّ ويطفئ شرارة الخلاف قبل أن تتحول إلى نار يصعب إخمادها.
أما في المجال الإداري: فإن التريّث علامة من علامات القيادة الواعية.
فالقائد الحكيم لا يندفع خلف أول رأي، ولا يتخذ القرار تحت ضغط اللحظة، بل يجمع المعطيات، ويستمع للأصوات المختلفة، ثم يزن الأمور بميزانٍ من الحكمة والخبرة. فالقرارات المتعجلة قد تربك العمل وتفقد الفريق ثقته، أما القرار المتأني فيصنع الاستقرار ويؤسس لنجاحٍ طويل الأمد.
وفي المجال الاجتماعي، تزداد الحاجة إلى التريّث في زمن تنتشر فيه الأخبار بسرعة، وتُبنى فيه الأحكام أحيانا على الظنون أو الانطباعات العابرة.
إن التريّث هنا يعني أن نتحقق قبل أن نُصدّق، وأن نفهم قبل أن نحكم، وأن نمنح الناس حقهم في العدل قبل أن نطلق عليهم الأحكام.
إن التريّث ليس بطئا، بل هو سرعة في الوصول إلى الصواب.
وليس ترددا، بل حكمة تمنع الندم. فالعاقل لا يقاس بسرعة قراره، بل بسلامة نتائجه.
وخلاصة القول:
ليس كل تأخير ضعفا، ولا كل سرعةٍ حزما؛ فكثيرٌ من القرارات ندم أصحابها لأنهم استعجلوا، وقليلٌ منهم ندم لأنه تريّث.













