(تيارات)
إبراهيم العمدة خوجلي
بلبل الغرب الراحل المقيم عبد الرحمن عبد الله، هذا الشادي الذي ترعرع في مراتع الغزلان وتخوم كردفان الغرّة بين البوادي والسهول والبراري المخضرة…
ترعرع مترعاً بروعة الألحان الشجية التي تنساب مدغدغة للمشاعر، ومن ينسى إطلالته بمحياه السمح ممسكاً عوده وواضعاً رجله على الكرسي وسط الجوقة الموسيقية، يدوزن اللحن والأوتار وينطلق الصوت الشجي العذب كالعصفور الحر المغرد والمتلألئ في شدو جميل بكلمات مغزولة ومنسوجة لمعانٍ آسرة وفضيلة؛
يمه لو صحيح ولدك تريدي كلما تصلي… بعفوك زيدي.
فمن طلبه لعفو أحق الناس بحسن الصحبة يذهب لأحق الناس بالتبجيل؛
أهدي شوق للمعلم
والمعلمة نور لبلادها،
وللمشاعر الإنسانية الجياشة لدرجة أن ترى الحب وتسمعه حضوراً بهياً في:
ريدا شح واتكلم
ريدا للضمير علم…
ثم تعال نتمشى في الغيمة، وقبال صباحنا يبوح، ويا الماشي جنب النيل يدوك لي منديل، ما تطول المشوار تمشي وتجيني عديل، يا النازل أم درمان يوماً صباحو عليل..
كدي نقيف شوية في أغنية المنديل دي ونسترجع ماضيها ونقول: يا سلام على المناديل المكوية والمطبقة على عطر.. بعضها مشغول أطرافه.. إلى وقتٍ قريب كان المنديل هدية راقية يتبادلها العشاق والمحبون دليل تعبير عن حبهم لبعض، وعادةً يكون المنديل منقوشاً على الجانب أو مطرزاً بالحرير، ويكون مرسوماً فيه قلب أو الحرف الأول للمحبوب، ويطغى عليه اللون الأحمر..
بالتأكيد تذكرت هذا المنديل الهدية، والذي اندثر وحلت مكانه مناديل الورق، ولا عزاء للمعذبين ودموعهم..
ولقيمة المنديل في ذاك الزمان كان الشعراء والمغنون يتغنون به، وقد كتبوا الكثير عنه، وله أيضاً حكايات ونوادر.. وكثيرون منا عايشوا تلك الفترة ولهم ذكريات حلوة مع المنديل الهدية وذكرى المحبوب، وأبالغ لو قلت لا يزال هناك من يحتفظ بها إلى يومنا هذا دليلاً على الوفاء لذكرى حلوة وحبيب كان قريباً في يومٍ ما..
أعود للأخ والصديق عبد الرحمن عبد الله (ود بارا)، الذي كانت له مع المناديل التي أفردنا لها مساحة لروعتها، روائع أخرى لا تُحصى ولا تُعد ساهمت في تعمير الوجدان وصياغته بالجمال والهيبة..
رحل عبد الرحمن عبد الله (ود بارا)، الفنان بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ، قدم جهداً مقدراً من الأفراح والفيوض والتحقق والصفاء…
مغنٍ مفعم وناعم اللحن، نديّ العذوبة، يمتعك ويريحك ويحزنك ويفرحك حتى الانتشاء…
ومع ذلك فارساً عزيزاً كريماً جواداً في أعمال الخير والصلات الوشيجة والواجب…
عانى في مرحلة مرضه الأولى بالرياض، وكنت ضمن لجنة علاجه التي كان يرأسها الراحل المقيم الأستاذ معاوية التوم رحمه الله، وتضم عضويتها لفيفاً من الإعلاميين وأهل الفن والثقافة والرياضة، ليغادر إلى المجر مستشفياً، ثم يعود للتغريد والشدو من جديد، لنفجع بنبأ رحيله بقاهرة المعز، سائلين الله أن يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته.













