******
الزبير نايل
عندما هممت بمغادرة الفندق الذي كنت نزيلا فيه في مدينة برايتون الساحلية قالت لي موظفة الاستقبال ذات الأصول الجزائرية وقد حنّ الدم الإفريقي لبعضه :
“هل ترغب في سيارة أجرة ”
قلت: نعم
سحبت حقيبتي إلى الخارج ووقفت أنتظر السائق… كان الانتظار في تلك اللحظة فرصة للتأمل في مسرح الحياة الواسع.
الطيور فوق رأسي كانت تطلق أصواتا كورالية كأنها جوقة عرس ، تتراقص بأجنحتها مع الأنسام والسماء تحتضنها بحنو وحنان.
على مقربة مني كان بحر الشمال يرسل أمواجه المتلاطمة إلى الشاطئ.. ترتفع الأمواج وتهبط كأنها أنفاس عاشق يهمس لحبيبته في هدأة الليل… تتقدم ثم تتراجع كأنها تقول شيئا ثم تخجل من قوله.
أما السياح… فقد كانوا وجوها آسيوية وأوروبية وإفريقية، ولاتينية… يمشطون الشوارع بنشاط ويمارسون السياحة بإخلاص وقد تحلل بعضهم من المخيط..
كل شيء في برايتون كان يحتفل بالحياة على طريقته: البحر… الطيور… الوجوه… المقاهي وحتى الأرصفة. إلا أنا… فقد كنت مجرد عابر في مدارج هذا المشهد الكبير ..
سائق سيارة الأجرة الذي غطى جسده بوشم أحاله إلى ما يشبه الحية الرقطاء كان متبرما وقليل الكلام رغم أن الطقس يشرح القلب ..
ساعتان ووصلت لندن …
كان الوقت أصيلا والشمس تسكب أشعتها البرتقالية على صفحة نهر التيمز .. الجسور الحديدية المعلقة فوق النهر عليها أفواج من البشر ترسم لوحة فخيمة ..
الهواء البارد مع رذاذ المطر يطرق أبواب الروح ما يشعرك أنك قد تحللت من أثقال الحياة…أنك أخف من همومك وأقرب إلى فراشة خرجت في يوم ناعم النسيم.
وفجأة…
دوّى صوت طبل إفريقي حار في الفضاء.
كان الإيقاع يتردد بين ضفتي النهر يعلو كلما اقتربت منه كأنه قلب ينبض بقوة في صدر المدينة.
امتزج الصوت بأهازيج نابعة من صدور عميقة.. اقتربت… فإذا بمجموعة من الأفارقة رجالا ونساء بملامح لاتينية مشرقة، يرقصون في حلقة دائرية بجباه مرفوعة وصدور مفتوحة على السماء كأنهم يؤدون طقسا من طقوس الأرض…
لا أعرف كيف حدث ذلك…
فجأة .. انجذبت روحي إلى الدائرة وفي لحظة وجدت نفسي في مركزها..
قفزت عاليا في الهواء كأنني فرد من قبيلة الماساي في سهول شرق إفريقيا أو كدرويش هزته حلقة ذكر.
ضربت الأرض بقدميّ مرارا .. ومع ضربات الطبل المتسارعة، انفجر كرير من صدري .. استحضرت معه أهل قريتي الصغيرة بأصواتهم القديمة وهم يتحلقون في الليالي المقمرة في موسم الحصاد ويؤدون أهزوجة (الطنابره) وأحيانا (الجابودي) ..كان المشهد حاضرا بكثافة أمامي وأنا على ضفة التيمز ..
تماهيت مع الإيقاع وحين توقفت كان الحضور يصفق لي بحرارة …
أما أنا…
فكنت أضحك متعجبا كيف لمدينة باردة وبعيدة مثل لندن أن توقظ في صدري تلك الأصداء ..كانت قريتي هناك بوجوه أهلها المضيئة بنور القمر وغبار الأقدام الصاعد مع تلك الأهازيج العجيبة.













