«السد العالي».. عملاق أدهش مصر وأفريقيا
جمع بين المهارة والانضباط والوفاء
أوقف هجوم الزمالك.. والمنهراوي اطلق عليه اللقب التاريخي
انطلق من حلة خوجلي .. وكان نجم سداسية شباك المريخ
إعداد: عبد المنعم عثمان – ديم الكبير
يظل تاريخ نادي الهلال السوداني زاخراً بأسماء خالدة صنعت مجده الكروي وأسهمت في ترسيخ مكانته في خارطة الكرة السودانية والأفريقية. ومن بين تلك الأسماء يبرز اسم النجم الراحل سليمان محمد فارس، المعروف بلقب «السد العالي»، أحد أبرز نجوم جيل الخمسينيات، الذي جمع بين المهارة الفذة والالتزام والانضباط داخل الملعب وخارجه. لم يكن سليمان فارس مجرد لاعب مميز، بل كان مدرسة كروية متكاملة تركت بصمة واضحة في الهلال والكرة السودانية، كما امتدت تجربته إلى الملاعب العربية والأفريقية عندما احترف في الأهلي المصري وتألق بين عمالقة الكرة آنذاك. وتبقى مسيرته الحافلة مثالاً للاعب الذي جمع بين الموهبة والانضباط، وترك إرثاً رياضياً يظل مصدر إلهام للأجيال الجديدة.
النشأة والبدايات
وُلد سليمان محمد فارس داؤود عام 1933 في حلة خوجلي بالخرطوم بحري، حيث نشأ وتلقى تعليمه حتى المرحلة المتوسطة. بدأت موهبته الكروية تظهر مبكراً من خلال اللعب مع أقرانه في الحي، حيث مارس كرة الشراب مع فريق نادي العامل.
في عام 1949 انتقل إلى فريق التحرير البحراوي، ثم خطف الأنظار سريعاً بموهبته الفطرية ليوقع مع نادي الهلال العاصمي عام 1950، حيث عاصر عمالقة الكرة السودانية مثل صديق منزول، عثمان الديم، فيصل السيد، سبت دودو والهادي صيام وغيرهم من نجوم ذلك العصر الذهبي.
الاحتراف الخارجي
في عام 1951 انتقل سليمان فارس إلى الأهلي جدة السعودي، قبل أن يشق طريقه إلى القاهرة لينضم إلى النادي الأهلي المصري عام 1953. هناك تألق مع الجيل الذهبي الذي ضم نجوماً كباراً مثل صالح سليم، مكاوي، حسين مدكور، عبد الجليل وتوتو.
أشاد النقاد في مصر بأدائه القوي في مركز قلب الدفاع، واعتبروه أحد أهم أسباب انتصارات الأهلي في تلك الفترة. وفي إحدى مباريات الأهلي والزمالك في الخمسينيات، تمكن سليمان فارس من إيقاف هجوم الزمالك بالكامل، ليخرج النقاد يصفونه بـ «السد العالي» الذي سد الطريق أمام المهاجمين.
قصة اللقب
يحكي سليمان فارس أن لقب «السد العالي» أطلقه عليه الكاتب المصري صلاح المنهراوي في مجلة روز اليوسف عام 1953 بعد أول مباراة له مع الأهلي المصري أمام الزمالك.
جاء اللقب بسبب قدرته على التحول أثناء المباراة بين مركزي الظهير الأيمن والأيسر وإغلاق الطريق أمام المهاجمين طوال زمن اللقاء، ليصبح بعدها اللقب ملازماً له طوال مسيرته الكروية.
عودة إلى الهلال
عاد سليمان فارس إلى الهلال عام 1955 واستمر مع الفريق حتى 1957، ثم عاد مجدداً إلى الأهلي المصري قبل أن يرجع مرة أخرى إلى الهلال في 1958 ويواصل اللعب حتى اعتزاله عام 1960.
خلال هذه الفترة قدم مستويات مميزة وأصبح أحد أبرز نجوم الهلال في ذلك الزمن، حيث امتاز بالقوة البدنية والمهارة العالية والقدرة على اللعب في أكثر من مركز داخل الملعب.
مشاركاته الدولية
كان سليمان فارس ضمن أول فريق أهلي سوداني تم تكوينه عام 1956، وشارك في أول مباراة دولية ودية للسودان أمام إثيوبيا في 13 مايو 1956، والتي انتهت بفوز السودان 5-1، ونال فيها نجومية اللقاء.
كما شارك مع المنتخب السوداني في رحلة تاريخية إلى الصين والاتحاد السوفيتي عام 1957، حيث خاض المنتخب مباريات قوية أمام أندية ومنتخبات من آسيا وأوروبا.
مباريات خالدة
شهدت مسيرة سليمان فارس العديد من المباريات التاريخية، من أبرزها:
- فوز الهلال على المريخ 4-2 عام 1955.
- مباراة الهلال مع الهونفيد المجري التي سجل فيها هدف الهلال الوحيد بصاروخ من خارج منطقة الجزاء.
- فوز الهلال على المريخ 6-2 عام 1956 في مباراة تاريخية.
- تعادل منتخب السودان مع سوريا 1-1 في تصفيات كأس العالم 1957 وسجل سليمان فارس هدف السودان.
سليمان مدرباً
بعد اعتزاله كرة القدم اتجه سليمان فارس إلى التدريب، حيث تولى تدريب عدد من الفرق السودانية مثل:
- الهلال
- التحرير البحراوي
- حي العرب بورتسودان
- الزهرة الأمدرماني
كما درب منتخب الخرطوم الذي واجه فريق ليفربول الإنجليزي في مباراة شهيرة انتهت بالتعادل 1-1 عام 1982.
تميز خلال مسيرته التدريبية بالانضباط الشديد، وكان يرفض تدخل الإداريين في عمله الفني، كما عرف بصرامته في فرض النظام داخل الفريق.
طرائف ومواقف
كان سليمان فارس شخصية قوية وصريحة. ومن الطرائف التي تروى عنه أنه خلال تدريب فريق التحرير حضر أحد اللاعبين متأخراً للتمرين، وعندما برر تأخره بسبب إغلاق الطريق بسبب القطار، التفت المدرب لمدير الكرة قائلاً ساخراً:
«يا عثمان بالله تاني ما تسجل لينا لاعب ساكن بعد القضيب!»
كما عرف عنه موقفه الرافض لتدخل الجماهير أو الإداريين في قراراته الفنية أثناء المباريات.
«الموردة بتلعب»
من الطرائف التاريخية المرتبطة به أيضاً إطلاقه عبارة «الموردة بتلعب» عام 1955 بعد فوز الموردة على الهلال في إحدى المباريات الشهيرة.
توفي بالقاهرة
في أواخر حياته عانى سليمان فارس من مرض في القلب، وسافر إلى القاهرة لإجراء عملية جراحية بمستشفى المقاولون العرب. ورغم نجاح العملية في البداية، تدهورت حالته الصحية وتوفي في القاهرة عام 1998.
صُلّي عليه في مسجد رابعة العدوية ودُفن في مقابر العارف بالله محمد عثمان صالح بالقاهرة، بناءً على وصيته.
شهادة نجم
قال عنه نجم الأهلي المصري السابق طارق سليم:
كان سليمان فارس لاعباً مميزاً ومتفرداً وصاحب مهارات عالية لم تتوفر في أي لاعب مصري أو سوداني، ويشبه في أدائه اللاعب المجري الشهير بوشكاش.
إرث خالد
يبقى سليمان فارس «السد العالي» واحداً من أعظم اللاعبين في تاريخ الكرة السودانية، جمع بين المهارة والانضباط والروح القيادية. وقد ترك بصمة خالدة في الهلال والمنتخب السوداني والكرة العربية، ليظل اسمه حاضراً في ذاكرة الرياضة السودانية جيلاً بعد جيل.
رحم الله الفارس سليمان فارس، وألهم محبيه الصبر والسلوان.













