داليا الأسد
العيد من غير الوالدين تجربة إنسانية شجية، تحمل مزيجاً من الحنين والألم لفقد السند والبركة. فرغم غياب الفرحة الكاملة، يظل العيد فرصة للوفاء بذكراهم والاحتفال بمنح الله (الفطر والأضحى)، عبر الدعاء لهم والصدقة والتواصل مع الأقارب وإدخال السرور على الأيتام، لتحويل الحزن إلى طاعة وبر. لأن فقدان الوالدين من أشد أنواع الفقدان، حيث تفقد الفرحة معناها وتصبح الأيام ناقصة، وتتحول التهاني إلى طعنات في القلب. إنه عيد بلا صوت دعائهم، بلا قبلة جبينهم، وبلا بركة وجودهم، مما يجعل العيد جرحاً يفتح آلاماً لا تشفى في القلب بغياب أغلى البشر.
ملامح العيد في غياب الوالدين تفقد لذة الفرحة، ويتحول العيد إلى مجرد يوم عادي وربما حزين، وتتوشح البيوت بالهدوء القاتل بدلاً من البهجة، وغصة العبرات والابتسامة التي تخرج مصطنعة، بينما يخفي القلب حزناً عميقاً ودموعاً تتحجر عند سماع التكبيرات، والشعور بالوحدة بغياب الشخص الذي كان يمثل الأمان والدعوات المستجابة، مما يجعل المرء يشعر بضعف شديد.
فتجد أن أول عيد بدونهم هو الأصعب، حيث تضيع المعاني وتتوقف الحروف، ويتحول البيت إلى مكان يفتقد روح العيد، وتجد نفسك في عذاب داخلي متسائلاً: كيف تتجاوز العيد بدونهم؟ فأفضل شيء هو الدعاء، فهو أفضل هدية يمكن تقديمها لهم في العيد، بالرحمة والمغفرة وأن يجمعكم الله في جنته. كما أن التصدق عنهم يوصل الفرحة إلى قبورهم، وزيارة قبورهم لذكرهم والدعاء لهم، وكذلك صلة رحمهم وزيارة أقاربهم وأصدقائهم، لأن جعل العيد يوماً للبر والمواساة يحيي ذكرى الوالدين ويحول الألم إلى أمل وثواب.
فتجاوز فقد الوالدين رحلة مؤلمة وطويلة تتطلب الصبر والتسليم بقضاء الله، والدعاء المستمر، مع إتاحة الفرصة للنفس للحزن. ويمكن التخفيف من حدة الألم عبر تخليد ذكراهم بأعمال خيرية، وطلب الدعم العاطفي من المقربين، والحفاظ على روتين حياة صحي، والاستعانة بمختص نفسي إذا لزم الأمر للتعامل مع الصدمة.
فالخطوات العملية لتجاوز فقدان الوالدين تبدأ بقبول المشاعر والحزن؛ فاسمح لنفسك بالبكاء والتعبير عن الألم، ولا تكبت مشاعرك، فالحزن رد فعل طبيعي وليس ضعفاً. والدعاء والبر المستمر خير ما يقدم للوالدين؛ فنكثر من الدعاء لهما بالرحمة والمغفرة، والتصدق عنهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة أصدقائهما وأقاربهما. وكذلك تخليد الذكرى بطريقة إيجابية، والاحتفاظ بمتعلقات شخصية بسيطة كصور أو نظارة تذكرك بلحظات سعيدة، بدلاً من الغرق في مقتنياتهم.
وكذلك لا بد من تجنب الحزن الشديد الذي يوقعك في عدم الرضا بقضاء الله وقدره، والعودة التدريجية للحياة، وأن تحاول الرجوع إلى روتين حياتك المعتاد ببطء، مثل ممارسة الرياضة، وتناول طعام صحي، والانشغال بالعمل أو الهوايات. وتذكر أن الأجل مقدر لا ينقص ولا يزيد، وأن الله أرحم بوالديك منك، لذا تجنب الأفكار السلبية وجلد الذات، ولا تتردد في استشارة معالج نفسي إذا شعرت أن الحزن يمنعك من ممارسة حياتك لفترة طويلة.
فالمنظور الإيماني للصبر هو التسليم بأن الموت حق، وترديد “إنا لله وإنا إليه راجعون“، واليقين بأن الله مع الصابرين، مما يساعد في تهدئة القلب وتجاوز المصيبة.













