هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ في كرة القدم هناك أخطاء عادية، وهناك قرارات تحكيمية قد نختلف حولها، لكن تبقى هناك لحظات يشعر فيها المتابع أن القانون نفسه قد استُخدم بطريقة قاسية تتجاوز روح العدالة التي وُضع من أجلها. وما حدث في مباراة الهلال أمام نهضة بركان أعاد إلى الأذهان واحداً من أكثر المصطلحات إثارة للجدل في عالم كرة القدم: العقوبة الثلاثية.
ـ العقوبة الثلاثية في كرة القدم تعني أن يُعاقَب اللاعب والفريق ثلاث مرات دفعة واحدة بسبب خطأ واحد: ضربة جزاء للفريق المنافس، ثم بطاقة حمراء تُشهر في وجه المدافع، وبعدها إيقاف تلقائي عن المباراة التالية وفق لوائح المسابقات. وهكذا يتحول خطأ واحد إلى سلسلة متتابعة من العقوبات التي لا تقف آثارها عند لحظة المخالفة، بل تمتد لتؤثر على بقية المباراة وعلى ما يليها أيضاً.
ـ هذا بالضبط ما حدث للهلال في تلك المباراة، فالحكم لم يكتفِ باحتساب ضربة جزاء – وهي في حد ذاتها فرصة كبيرة للتسجيل – بل مضى أبعد من ذلك عندما أشهر البطاقة الحمراء، ليجد الهلال نفسه فجأة أمام واقع جديد: فريق مطالب بإكمال المباراة ناقص العدد، وتحت ضغط ضربة جزاء قد تغيّر النتيجة، ثم خسارة لاعب مهم في المباراة القادمة.
ـ الهلال في تلك اللحظة لم يتعرض لعقوبة واحدة، بل لثلاث عقوبات متراكمة في لحظة واحدة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل كانت كل هذه القسوة ضرورية؟
ـ في السنوات الأخيرة اعترفت المؤسسات التي تضع قوانين كرة القدم بأن ما يُعرف بالعقوبة الثلاثية قد يكون في بعض الأحيان قاسياً أكثر مما ينبغي. ولهذا السبب جرى تعديل القوانين بحيث يُكتفى في بعض الحالات ببطاقة صفراء إذا كان المدافع يحاول لعب الكرة بصورة طبيعية، لأن ضربة الجزاء وحدها كفيلة بإعادة الفرصة التي حُرم منها المهاجم. لكن المشكلة الكبرى أن تطبيق هذا المبدأ يظل رهيناً بتقدير الحكم داخل الملعب، والحكم بشر يقدّر اللحظة وفق زاوية رؤيته وتفسيره للحالة، وهنا تبدأ مساحة الجدل.
ـ جمهور الهلال وكثير من المتابعين لم يعترضوا على مبدأ احتساب المخالفة إذا كانت تستحق، فالأخطاء جزء طبيعي من كرة القدم. لكن الاعتراض الحقيقي كان على تضخيم العقوبة إلى الحد الذي جعل الهلال يدفع ثمناً مضاعفاً – وربما أكثر من اللازم – ضربة جزاء تتحول إلى هدف، ونقص عددي، ثم إيقاف لاعب مؤثر في المواجهة القادمة.
ـ أي فريق في العالم سيعاني من مثل هذا السيناريو، لأن كرة القدم لعبة توازنات دقيقة، وأحياناً لاعب واحد فقط يمكن أن يغيّر شكل الفريق داخل الملعب. وعندما يُحرم الفريق من هذا اللاعب، إضافة إلى اللعب ناقصاً، فإن المعادلة تصبح أكثر صعوبة.
ـ الهلال في تلك اللحظة لم يكن يواجه فريقاً واحداً فقط داخل المستطيل الأخضر، بل وجد نفسه في مواجهة قرار تحكيمي ثقيل وضع عليه عبئاً مضاعفاً؛ فالخصم يستفيد من ضربة جزاء تمنحه التعادل وربما التقدم بعدها، بينما الهلال مطالب بالصمود وهو ناقص العدد، ثم يفقد أحد عناصره في المباراة التالية. وهنا تكمن قسوة العقوبة الثلاثية.
ـ القانون في جوهره وُضع لتحقيق العدالة، لكن العدالة في كرة القدم لا تتحقق دائماً بمجرد تطبيق النص بحرفيته، بل تحتاج أيضاً إلى قراءة روح اللعبة وظروف الحالة. فالتحكيم الجيد هو ذلك الذي يوازن بين حرفية القانون وروح العدالة، ويعرف متى يكون القرار حازماً، ومتى يكون متزناً. لكن ما حدث في تلك المباراة جعل كثيرين يشعرون بأن ميزان التقدير لم يكن متوازناً تماماً، لأن اللقطة الواحدة تحولت إلى ثلاث ضربات متتالية على فريق واحد.
ـ ولهذا ستظل هذه الواقعة مثالاً جديداً يُضاف إلى الجدل القديم حول العقوبة الثلاثية في كرة القدم، ذلك الجدل الذي ظل يطرح السؤال نفسه منذ سنوات: هل من العدل أن يُعاقَب فريق كامل ثلاث مرات بسبب خطأ واحد؟
ـ ربما يقول أنصار القانون إن الحكم طبق النص كما يراه، لكن جماهير الهلال ترى أن فريقها دفع ثمناً أكبر بكثير من حجم الخطأ نفسه.
ـ وفي النهاية تبقى الحقيقة التي يعرفها كل من تابع كرة القدم طويلاً: ليست كل القرارات التحكيمية ظالمة، لكن بعض القرارات تترك شعوراً عميقاً بأن العدالة لم تكتمل، وأن الخطأ الواحد تحول في لحظة إلى ثلاثة أحكام قاسية على فريق واحد.
ـ الحكم الجنوب أفريقي (توم أبو نجيل) كان قاسياً للغاية في قراره عندما طبق العقوبة الثلاثية على الهلال، فمثل هذه الحالات تحتاج إلى قدر كبير من التقدير والاتزان. لأن القرار لا يقتصر على احتساب مخالفة داخل منطقة الجزاء فحسب، بل يمتد أثره إلى طرد لاعب، وإرباك فريق كامل، وحرمانه من خدمات ذلك اللاعب في المباراة القادمة. وربما يكون الحكم قد رأى في تقديره أن الحالة تستوجب كل هذه العقوبات، لكن القرار جاء قاسياً أكثر مما ينبغي، والهلال دفع الثمن مضاعفاً. وهكذا تبقى كرة القدم أحياناً رهينة صافرة حكم قد تغيّر مجرى مباراة كاملة، وتترك خلفها جدلاً لن ينتهي بسهولة.













