كل بيئة تمتلك ثروة رياضية خاماً
ظل الفكرة
الشاذلي عبدالله
فاتني الإشارة إلى سعادتي بالكتابة في صحيفة أكشن سبورت، وأؤكد أن هذه المساحة ستكون منبراً للتشريح الحقيقي للواقع الرياضي بعين الخبير. نطرح الحلول، نحلل اللوائح، ونواكب التجارب العالمية. محورنا الدائم: كيف تتحوّل أنديتنا من قرار الفرد إلى منطق المؤسسة؟ وهذه المقالات الثلاثة عشر ليست سوى الجزء الأول من رؤية أشمل.
حين نتحدث عن أزمة الرياضة السودانية، يتسارع الجميع نحو الإجابات المألوفة: نقص التمويل، ضعف البنية التحتية، هجرة المواهب. وهذه حقائق لا جدال فيها. لكن ثمة سؤال أعمق نادراً ما يُطرح: من يقرر داخل النادي؟ وكيف يُقرر؟ وماذا يحدث حين لا يعرف أحد الإجابة؟
في كثير من أنديتنا تسود معادلة راسخة غير معلنة: رئيس النادي يساوي كل الصلاحيات. هو من يُعيّن المدرب ويُقيله، وهو من يوقّع العقود ويُلغيها، وهو من يقرر الميزانية ويوزّعها. وحين يغيب هذا الرئيس لأي سبب كان، لا يتوقف قرار واحد بل يتوقف كل شيء: الفريق الأول بلا توجيه، والإدارة بلا صلاحية، والمدرب بلا سند. النادي بأكمله مُعلَّق في شخص واحد.
هذه ليست قيادة، هذه هشاشة مؤسسية مقنّعة بالسلطة. وتشير دراسات حوكمة المنظمات الرياضية إلى أن أكثر من 70% من حالات انهيار الأندية في الأسواق الناشئة مرتبطة بتمركز القرار في شخص واحد لا بغياب التمويل. (المصدر: Sport Governance Observer 2022)
المشكلة ليست في الأشخاص أنفسهم، فكثير منهم يحملون إخلاصاً حقيقياً لأنديتهم. المشكلة في غياب النظام الذي يجعل النادي أكبر من أي فرد مهما كان موقعه. حين لا يوجد هيكل واضح للصلاحيات، ولا توثيق للقرارات، ولا فصل بين السلطات، يملأ الشخص الفراغ بطبيعة الحال، ثم يُصبح هو النادي، وحين يرحل يرحل النادي معه.
الانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق النظام لا يعني إقصاء القيادة، بل يعني تحريرها. حين يعمل النادي بلوائح واضحة وهياكل موثّقة وصلاحيات موزّعة، يتفرّغ الرئيس للقيادة الحقيقية: الرؤية والتطوير والتمثيل، بدلاً من أن يكون موظفاً ومديراً ومحاسباً في آنٍ واحد. والأندية التي طبّقت هذا النموذج حققت في المتوسط نمواً في إيراداتها يتراوح بين 40% و120% خلال خمس سنوات من التحول المؤسسي. (المصدر: Deloitte Sports Business Group 2023)
التجارب الناجحة في المنطقة وخارجها تؤكد أن الأندية التي تحوّلت إلى كيانات مستقلة ذات هياكل واضحة للقرار لم تنجح فقط رياضياً، بل أصبحت جاذبة للاستثمار ومستدامة مالياً. المستثمر الجاد لا يضع ماله في شخص، يضعه في نظام يثق بأنه سيستمر حتى بعد تغيير القيادة.
في السودان لدينا أندية عمرها يتجاوز نصف قرن. لكن كم منها يملك هيكلاً تنظيمياً موثّقاً؟ كم منها لديه سياسة واضحة لاتخاذ القرار المالي؟ كم منها يستطيع أن يُقدّم نفسه لمستثمر جاد بثقة ومصداقية؟ الإجابة الصادقة هي أن معظمها لا يملك ذلك، وهذا ليس هجوماً بل نقطة البداية الحقيقية.
النهضة الرياضية لا تبدأ من الملعب. تبدأ من الغرفة التي يُكتب فيها أول نظام داخلي يلزم الجميع، بما فيهم الرئيس. لأن النادي الذي يعيش بشخص واحد سيتوقف بغيابه، والنادي الذي يعيش بنظام سيبقى لأجيال.













