خليك دبلوماسي
محمد مامون يوسف بدر
في السودان للعيد طعمٌ آخر، وخاصة عيد الفطر الذي يأتي بعد شهر رمضان المعظم. يبدأ قبل شروق شمس اليوم الأول برائحة اللقيمات مع شاي اللبن المقنن التي تفوح من البيوت.
العيد هناك ليس مجرد يوم، بل هو مشهد متكامل؛ الرجال في جلابيبهم البيضاء الناصعة يتجهون إلى المصلى في مشهد مهيب، والنساء يزينّ أيديهن بالحناء، والأطفال في ثيابهم الجديدة يملأون الشوارع ضجيجاً.
أما الإفطار فله قدسيته: “الكسرة” و”ملاح الروب” و”العصيدة” و”التقلية” و”الشعيرية” و”الشيه”، في مشهد يعكس معنى الكرم والتلاحم. ثم تبدأ جولات التهنئة، تبادل الزيارات بين الأهل والجيران، واحتساء “الشاي الأحمر” مع الفول السوداني والحلاوة والبلح والكعك، وعناق طويل تسبقه تهيئة دافئة: “كل عام وأنت بخير”، وربنا يحقق الأماني والعفو والعافية.
عيد الفطر يحمل نكهة خاصة، فهو يأتي تتويجاً لشهر الصيام والقيام. ليلة العيد تكون مميزة، حيث تعلو التكبيرات من المساجد وتستعد الأسر لتحضير حلوى العيد والكعك التي تزين الموائد. وفي صباح العيد يتجه الجميع إلى المصليات لأداء صلاة العيد، ثم يبدأ الأطفال جولتهم المعروفة بـ”العيدية”، يطوفون على البيوت لجمع النقود والحلاوة مهللين ومكبرين.
هذا هو العيد الذي أعيشه اليوم بكل جوارحي، لكنني أراه من بعيد. أراه عبر شاشة الهاتف التي لا تنقل سوى الصور وتعجز عن نقل دفء الحضن أو رائحة القهوة السودانية. أراه في دموع أمي التي تخفي حنينها خلف ابتسامة متعبة وهي تقول: “العيد من دونكم ما عندو طعم، وأنا عافية منك”.
الغربة في العيد ليست مجرد مسافة، بل هي انفصال عن كل التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرح. أن ترى صور أهلك وهم يزورون قبور الأحبة في صباح العيد وأنت لم تزر قبر جدك أو أبوك أو أمك أو أختك أو صديقك منذ سنين. تسمع أصوات الأطفال وهم يتسابقون لمعايدة الكبار وأنت تكتفي بـ”مسج” سريع. أن تشعر أن نصف العيد قد ذهب، والنصف الآخر بقي هناك في الزحام الجميل لشارع النيل أو في رائحة التراب بعد أول مطر.
نعم، جانا العيد وأنت بعيد. لكن القلوب تبقى معلقة هناك، عند أول بيت وأول حي وأول وطن. تبقى في زحمة “السوق” في ليلة العيد، عندها تبقى في دعوة صادقة: “ربنا يجمعنا بكم في أقرب عيد ونصلي العيد سوا في أرضنا الحبيبة”.
العيد في الغربة يجعل من الذكرى وطناً ومن الحنين صلاة. فكل عيد وأنت في قلبي، وكل عام وأنت النور الذي يضيء لي هذا البعد.













