داليا الأسد
نجد هذا المثل شهيرًا وبليغًا جدًا، بحيث يلخص الحالة النفسية التي يعاند بها الأب في الإنفاق على أبنائه نكايةً في طليقته، فيتوقف عن الإنفاق عليهم ويقلل من الاهتمام العاطفي والنفسي، ويبتعد عن النظر إليهم متجاهلًا المسؤولية الملقاة على عاتقه. فهذا يترتب عليه آثار اجتماعية سلبية، لأن امتناعه يترك آثارًا نفسية عميقة تتجاوز مجرد العوز المادي، بحيث يفسر الأبناء هذا السلوك غالبًا على أنه نوع من التخلي العاطفي وفقدان للأمان، مما يؤثر على نموهم السلوكي والنفسي.
فنجد من أكثر التفاصيل للعوامل والآثار النفسية المترتبة على هذا الموقف الآثار النفسية على الأبناء واهتزاز صورة القدوة؛ فدائمًا يؤدي تنصل الأب من مسؤولياته إلى فقدان الأبناء للثقة فيه كنموذج للأمان والحماية، مما قد يولد لديهم مشاعر الغضب أو خيبة الأمل تجاهه. وكذلك الشعور بالرفض والدونية التي يشعر بها الطفل، وأنه غير مستحق للرعاية، مما يضعف تقديره لنفسه مقارنة بأقرانه الذين يتمتعون بدعم آبائهم. وينتج أيضًا اضطراب الأمان النفسي، لأن غياب الدعم المادي غالبًا ما يرتبط بغياب الدعم العاطفي، وهو ما يؤدي إلى زيادة القلق والتوتر النفسي لدى الأبناء، خاصة في مراحل الطفولة المبكرة والمتوسطة. وقد يضطر الأبناء للانخراط في التفكير في هموم المعيشة والبحث عن عمل مبكرًا، مما يحرمهم من عيش طفولة طبيعية.
وكذلك من الدوافع النفسية للأب: لماذا يمتنع؟ فغالبًا ما تكون الرغبة في الانتقام في أكثر الحالات، فيستخدم الأب سلاح “النفقة” كوسيلة للضغط على الأم المطلقة أو معاقبتها، متجاهلًا أن المتضرر الحقيقي هم الأبناء. ويقوم بالهروب من المسؤولية، وهذا في الغالب نجده في بعض الآباء الذين يعانون من ضعف في النضج النفسي، فيعتبرون أن انتهاء العلاقة الزوجية يعني انتهاء الالتزام تجاه الأبناء أيضًا.
وفي بعض الأحيان نجد أن تأثير البيئة المحيطة به يكون له دور كبير في تحريضه على تقليل النفقة أو قطعها بدعوى توفير المال أو عدم استفادة المطلقة منه، فتتزايد المشاكل في العلاقة الأسرية وتكثر الصراعات، لأن الامتناع عن النفقة يزيد من حدة النزاعات بين الوالدين، مما يضع الأبناء في صراع ولاءات ويجعلهم طرفًا في معركة قانونية واجتماعية. وبذلك تنتج فجوة في التواصل، وغالبًا ما يتهرب الأب الممتنع عن الإنفاق من رؤية أبنائه لتجنب الإحراج أو المطالبة المالية، مما يؤدي إلى قطيعة تامة تؤثر على الصحة النفسية للطرفين.
فمن الجانب الديني يجب الالتزام الشرعي بالنفقة، لأنها واجبة شرعًا على الأب حتى لو كان معسرًا، ولا تسقط من ذمته حتى لو تم حرمان الأب من الرؤية، فالنفقة حق للطفل لا يسقط بتقصير الأم. وعندما قال رسولنا الكريم “أمك” ثلاث مرات كان يعلم تمامًا أن دور الأم أكبر وأعظم، وأنها الملاذ الآمن للأبناء عند تخلي الأب عنهم.
فالخلاصة أن هذا المثل يسلط الضوء على أن تخلي الأب عن مسؤولياته ناتج عن “ضيق نفس” أو “خلافات شخصية”، وليس بالضرورة عجزًا ماديًا. فلابد أن نرتقي بتصرفاتنا ونوفي ما علينا من التزامات ومسؤوليات، لأن الأب الذي لا خير فيه لأبنائه لا خير فيه لأحد آخر.













