بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
العنوان أعلاه شطرٌ أولُ من بيت شعر مؤثّر من قصيدة حزينة للشاعر المرهف الملك المعتمد بن عباد.
كان المعتمد ملكا في الأندلس في عهد الطوائف والممالك الإسلامية التي هدّها الضعف وهددها خطر الفرنجة، مما دعا المعتمد للاستعانة بيوسف بن تاشفين ملك المرابطين في المغرب العربي على الضفة الأخرى للمتوسط، وقد نصحه ابنه ـ وكان على حق ـ بألا يستعين به خوفا من طمعه واستيلائه على ملكهم، لكنه قال قوله المأثور “… أن أرعى الجمال خير لي من رعي الخنازير”، يقصد أن أسره من قبل ملك مسلم أفضل له من يقع أسيرا لدى النصارى يرعى لهم خنازيرهم! وفعلا استدعى المعتمد ابن تاشفين إلى الأندلس لمحاربة النصارى، لكنه في الأخير غدر به وحمله وعائلته أسيرا مكبلا في قيوده إلى المغرب! يقول المعتمد:
فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا * فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً * يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
أفطرتَ في العيد لا عادت إساءته * فكان فطرك للأكباد تفطيرا
يا لها من قصيدة تفطّر الأكباد، وتجعل العيد الذي هو بشير سعادة للناس مأساة لملك أسير في (أغمات)، يرى بناته الأميرات المنعّمات سابقا عاملات يغزلن للناس من أجل توفير لقمة العيش!
إن كثيرا من الناس ـ على مر الأيام ـ يشابه عيدهم عيد المعتمد بن عباد، لكنهم لا يملكون أدوات وصفه وتصويره شعرا أو نثرا، أو حتى رسما!
فكم من محزون في العيد بسبب تبدل الحال وجثوم الأحزان!
كم منا منَ فقد حبيبا وعزيزا ارتحل للدار الآخرة، ولم يجده في هذا العيد! ينظر إلى مكانه المعتاد في الدار فلا يجد سوى ذكرى تحوم وتحلّق في الفناء مع تكبيرات العيد!
كم من مشرّد في معسكرات اللجوء جراء الحروب اللعينة وجد نفسه وحيدا في هذا العيد، يجتر ذكريات أهله الضحايا وبيته المحترق!
كم من لاجئ في بلاد أجنبية، فارق الوطن قسرا بسبب الحرب واحتلال بيته وخراب دياره، لم يجد للعيد طعما ولا فرحة!
وإن كان هذا حال بعضنا في العيد فعلى الأقارب والأصدقاء وأفراد المجتمع عامة تضميد جراح المكلومين، ومحاولة تبديل حزنهم رضا وقناعة، ومواساتهم بأن الأيام دول، وأن مع العسر يسرا.. وأن كل حزن سيرحل، وأن كل كسر سيُجبر.
عيدكم مبارك.












