بعد التحية
- في كثير من الأحيان تتخذ الكتابة موقع الصعوبة بالنسبة لي تحديداً، تتخذ موقع الصعوبة عندما أريد أن أكتب عن (سهل).. والسهل الذي أعنيه هو ذلك السهل البسيط الذي يسكنك ويتألف معك دون أية حواجز أو تعقيدات.
- وحميد الإنسان هو أحد الأشياء الكثيرة (السهلة) في حياتي التي أحببت (سهولتها).
- فهو سهل في كل شيء.. إنسان بسيط، عفوي، واضح في سلوكه وتعامله.. لا تجد أي منطقة مغلقة أو رمادية أو ضبابية في شخصيته.. يخلق بينك وبينه جسراً للتواصل.. يأتيك به وتمشي عبره إليه.
- وانعكس ذلك بوضوح في أشعاره، كل أشعاره التي تغنى فيها بشعره؛ لحبه الكبير الجميل للوطن، أو لحبيبة جميلة لم نرها، إنما أحسسنا ببعض تفاصيلها في مقاطع قصائده لها.. كان شعره سهلاً بسيطاً عميق المعاني.
- تعرفت على حميد في لقاءات عابرة وجلسات معرفة عابرة، نسمع فيها بعضاً من أشعاره، وكان ذلك قبل أن تغمره الشهرة والأضواء.. ثم تعمقت معرفتي به أكثر رفقة فقيد الوطن والفن مصطفى سيد أحمد، له الرحمة والمغفرة والعتق من النار.. ووجدته كما هو: حميد البسيط العفوي.. المرح، خفيف الدم، الساخر بنعومة وبمحبة.
- وأذكر أنني سألته ذات مرة، وكان مصطفى سيد أحمد يقاسمنا الجلسة، لماذا هو دائماً بالزي الشعبي (الجلابية والعمامة).
- فأجابني بلكنته الشايقية اللطيفة المحببة، ضاحكاً: (ياخي ما داير أطلع من هدومي.. شكلي كده ما هو عاجبك ولا شنو؟).
- وعقّب مصطفى قائلاً: (ولا شنو.. رد عليهو).
- وكما قلت، فإن شخصية حميد السهلة البسيطة العفوية انعكست على أشعاره بوضوح، ونلاحظ ذلك من أول القصائد التي اشتهر بها (شن طعم الدروس يا يمة).
كل مداخل قصائده كانت بسيطة، يلتقطها من بين أحاديث العامة ويشكلها مقاطع شعرية بديعة، تكتسب عمقها من الصياغة الجميلة والثراء الوجداني الذي يسكبه عليها.. ويمنحك الإحساس بأنه مسكون بهذا الشعر الذي يقدمه لنا.. مسكون بالمعاني وبهذه العواطف والمشاعر.. وأنه لا يجد صعوبة أبداً في صياغتها ومن ثم كتابتها وتقديمها لنا.. وهذه قمة السهل الممتنع.
ولعل أجمل ما في أشعار حميد أنك عندما تطالعها يغمرك الإحساس أنك كنت في أمسّ الحاجة إلى كتابة مثل هذه، تعبر عنك وتروي ظمأك إلى معانيها ومقاصدها.
رحم الله حميد الإنسان الشاعر، الذي لم تغيره شهرة ولم تبهره أضواء.. وظل كما هو بسيطاً عفوياً، مرحاً خفيف الدم، ساخراً بمحبة.. يكتب للوطن بأغلى وأجمل معاني الانتماء والحب، ويكتب للحبيبة بأجمل وأغلى معاني آماله وأحلامه معها.













