أحمد حسن حيمورة
عدت إلى وسائل التواصل الاجتماعي بعد غيبة متعلقة ببعض الأسفار، لأجد في صفحات الفيس بوك والوسائط الأخرى، عدداً لا يُحصى من الصور -الجميلة طبعاً- لدفعاتنا أو حسناواتنا بعد أن أخضعن صورهن (الحقيقية) لهذا الـ AI العجيب، ليعمل فيهن تصغيراً وتلبيساً وتصفيفاً بما يرضيهن ويرضينا، رضي الله عنهن…. لكن الحق يُقال إنه يسمحهن ويصغرهن ويأنقهن، ولا أقصد بقولي هذا أي لمز في مسألة الأعمار التي هي بيد الله، ولا القسمات التي هي من قسمة الله.
فما لفت نظري هو استدعاء ما كان يسمى بالموضة قديماً وإضفاؤه على الحاضر. ولا أدري لماذا وقع الاختيار على موضة السبعينات لتطفح بها صفحات الفيس بوك بما سُمّي ترند السبعينات، فاعتمدها جيل السبعينات الحقيقي راضياً بصوره القديمة وقد بدت لهم أكثر جمالاً وزهزهة. وقلدها الجيل اللاحق وهو يُخضع تصاويره الفردية لموضة السبعينات، تلك التي ارتبطت في ذاكرتنا، فيما يخص الشعر، بالباروكات والارتشوهات والخصل والجدائل المستعارة والتيجان المرصعة بالفواريظ، كما ارتبطت أيضاً بالهدب المكحل وفتنة (التوب) الأنيق الذي يشف، ولا يشف، ويشي عما أو يدس ما وراء. لكن الـ AI فيما سُمّي بترند السبعينات حوّر كل ذلك واختزله في تسريحة واحدة غاية في الأناقة، ثم عمل على تجميل وتشبيب الوجوه بطريقة فاقت نتائجها ما كانت تبرع فيه استديوهات الخرطوم الشهيرة في ذلك الزمان من جودة السمكرة (الترتيشية المانيولية).
جيل السبعينات هذا المقلَّد (بفتح اللام وتشديدها)، هو ذلك الجيل المولود في منتصف الخمسينات أو هو جيل الطفرة المسمى (Baby Boomers)، والذي أصبح (يا دوب يحمل لباس التوب) كما تقول الأغنية، بعد بلوغه سن العشرين متخطياً (عمر المنى) في منتصف السبعينات، وهو الجيل الذي ناهز العقد السابع الآن وكانت صوره تحمل ذلك الجمال المعتق الذي شهدت به فترينات استوديوهات فارتي وفينا والنيل ومحمدين وبابا. وهو حالياً يحتفظ بصوره القديمة التي تذكره بالماضي ويضيف إليها النسخ التي أنتجها الـ AI والتي تتغنى بـ(ألا ليت الشباب).
أما الجيل المقلِّد (بكسر اللام وتشديدها) فهو جيل منتصف الثمانينات الذي وُلد في نهاية الستينات وينتمي لجيل X، وهو الجيل الذي تخلى معظمه عن التوب وانقسم إلى فئتين، فئة تدثرت بالعباءة الداكنة وحجبت الشعر، وفئة أخرى تنكرت للتوب ولبست الفساتين والجيبات والبلوزات وأسدلت الشعر وارتدت (البناطلين)، حتى طالتها يد النظام العام بعد ذلك. وهذه الفئة هي بالضبط ما رجعت -مؤقتاً- تتوسل موضة السبعينات بأناقة ثوبها وجمال تصفيفاتها مع (السماحة) التي يضفيها الـ AI على الوجوه، معتمداً سحر الأبيض والأسود، وفاتحاً الباب لصرعة نوستالجية سبعينية ظريفة.
ما حدث لصور السمحات تزامن معه معالجات لصور رجالية خاصة، ترك أصحابها للـ AI حرية تحويرها بما يزيل الغبشة ويهندم البدلة و(يصلح التسريحة) أو يضبط العمّة ويلمع (الجلابية) ويجعل الجميع غاية في الوسامة، بعد أن كانت قمة (القندفة) تتجسد في صور البوستال الشاحبة، الملونة يدوياً والمضاف إليها عبارة (والله مشتاقين) لإرضاء الحبايب.
وامتدت هذه المعالجات فشملت صوراً لشخصيات تاريخية، برع بعض من التشكيليين الشوافين من فنانينا في كبح جماح هذا الـ AI وإخراج صور أقرب إلى الحقيقة مع ضبط عالٍ للجودة.
حين أتأمل الصور القديمة وأقارنها بمخرجات الـ AI لنفس هذه الصور، يقفز إلى ذهني سؤال ملح وهو: لماذا تصبح تلك الصور الفوتوغرافية العادية أكثر جمالاً من الحقيقة، حينما تُعالج بالـ AI؟ وهل يخلق الذكاء الاصطناعي جمالاً من لا شيء أم أنه يعيد تنظيم الواقع بصرياً وفق معايير جمالية محسوبة بدقة؟ الله أعلم… لكن، ربما تكمن الإجابة في حقيقة ما يُقال من أن الكاميرا ترى، بينما الذكاء الاصطناعي يختار ويعمد إلى خلق نسخة أقرب إلى ما نتمنى رؤيته لا ما نراه في الحقيقة، حيث يعالج الصورة وفقاً لنموذج ذهني مثالي، وليس وفقاً لتلك الحقيقة المرفوضة. أو ربما لأن الصورة الحقيقية مليئة بالفوضى وذات واقع ماثل معقد، حيث الافتقار إلى الضوء المثالي، وحيث تكون الظلال حادة، فيأتي الذكاء الاصطناعي ليفرض “نظاماً بصرياً” على هذا التعقيد، ويركز على تحسين الألوان ويعزز عناصر التجانس والتوازن والتناسق والتباين المدروس والإضاءة المثالية.. وهي العناصر التي يفضلها الدماغ البشري بالفطرة، وتزيد إحساسه بالجمال..
أفاعيل الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على تجميل وتحسين الوجوه، وإنما تتعدى ذلك إلى ضبط اللبس وتجعل الكل (لبيساً) بامتياز، سواء كان ذلك اللبس جلابية وتوباً أو جبة وصديرياً أو حتى بدلة مطقّمة. وهذا موضوع آخر سأواصل فيه إن شاء الله لاحقاً…













