(تيارات)
إبراهيم العمدة خوجلي
بلا شك أن القبيلة، في المفهوم العام، ركيزة للانتماء والهوية والعزوة، حيث توفر للفرد إطاراً من الدعم والاعتراف الاجتماعي، وتحمل الإرث التاريخي للآباء والأجداد. وتُعتبر حصناً ومكوناً اجتماعياً فاعلاً بجانب الدولة. فالقبيلة، كأصل للانتماء، اسمٌ وعز، ويمثل الانتساب إليها اعتزازاً بالأصل والنسب، وهو أمر فطري واجتماعي يحمل اسماً وتاريخاً يجعل الفرد يستمد جزءاً من سمعته وكرامته من سمعة قبيلته ومواقفها.
ويُنظر للقبيلة كجزء من النسيج الوطني، حيث تظل الدولة هي المظلة العليا للحماية والمواطنة، بعيداً عن التفاخر بالأنساب على سبيل التعصب والظلم، وهو ما نهى عنه الإسلام، فـ”دعوها فإنها منتنة”، والأكرم عند الله هو الأتقى.
فالقبيلة اعتزاز بالإرث والنسب ومصدر عزوة، ما لم تتحول إلى عصبية مقيتة.
ما أنا بصدد الحديث عنه بعد هذا السرد المطول هو ظاهرة تجاهل القبيلة الفرع خدمياً واجتماعياً، وإظهار الاهتمام بالقبيلة الأصل، مما يجعلنا نقف عند ذلك طويلاً ونتأمله. فالانتماء، يا سادة، لقبيلتك الأصل، أياً كانت، لا يجردك من الاهتمام بدائرتك المحدودة، ولا يعطيك الحق بأن تُغفل ما هو ثابت ومعروف، وتنسى من يحتاجك بصورة مباشرة.
سمعنا، مثلاً، عن عمدة المنطقة الفلانية وناظر كذا، دون أن نسميهم، وحتى خارج دائرة رفاعة، تغزل الشعراء ونظموا ذلك شعراً وغناءً: (مهما أقول شكر القاه فيهو قليل يا عمدة… فرقك علينا صعيب)، وقِس على ذلك من الشعر والهجاء. فكل الذي تم نظمه في هؤلاء تُعنى به قبائلهم الفرعية: عوامرة، عسيلات، حلاوين، وبقية الأفرع الرفاعية، وغيرها من القبائل المعروفة في وطن حدادي مدادي.
وهنا لا أشير لأسماء بعينها، فالأسماء معروفة ومشهورة في القبيلة الأم (رفاعة)، وأعمالهم الجليلة لا تخطئها الأعين، إنما أعني القيمة المناطقية؛ فهؤلاء خدموا بكل همة وتجرد ونكران ذات، وأنجزوا، وازدهرت قراهم ومناطقهم باسم قبائلهم الفرعية، فرأينا المياه والصحة والمدارس وحتى الأراضي الزراعية. ولم يرد في كل هذه الإنجازات اسم القبيلة الأصل خدمياً.
قصدت بهذا المفهوم، الذي لا يجرد القبيلة الأصل (رفاعة) مكانتها ومعناها ومسماها، أن التركيز والحرص على خدمة الفرع شيء مطلوب، إذ لا يمكنني أن أخدم ولايتي مثلاً دون أن أبدأ بقريتي الصغيرة ومنطقتي. وبلا شك، خدمتي لدائرتي المحدودة، أي قبيلتي (الفرع)، تنعكس إيجاباً على قبيلتي الكبرى (الأصل)، بنظرة موضوعية دون تقديس أو تغبيش أو تسييس.
فرفاعة، القبيلة الأصل، تظل مرجعنا الاجتماعي والأدبي والثقافي، والانتساب إلى رفاعة فخراً وعراقة، ومكانتها عالية دائماً “على العين والرأس”، ولكن يظل الفرع، أيّاً كان: عوامرة، عسيلات، حلاوين، وبقية الأفرع، أولوية خدمية، وفي دائرة الاهتمام المباشر!













