فوفو .. أم الدراما السودانية ووجع العمر الجميل
قامة فنية تصارع المرض وتنتظر الوفاء
انسانة بسيطة .. حضور مختلف وصوت صادق
عنبر المجنونات والدهباية ونقابة المطلقات .. أبرز أعمالها المسرحية
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
فايزة عمسيب اسم محفور في وجدان السودانيين، لا يحتاج إلى تعريف ولا مقدمات طويلة. هي واحدة من القلائل اللواتي صنعن تاريخًا كاملًا في الدراما والمسرح والإذاعة والتلفزيون، وقدّمن فنًا صادقًا قريبًا من الناس، نابعًا من واقعهم وهمومهم وضحكتهم ودمعتهم، لذلك استحقت وبجدارة لقب أم الدراما السودانية أو أم الدراميين، لأن أجيالًا كاملة تربّت فنيًا على أعمالها وصوتها وحضورها المختلف.
ـ حضور مختلف
فايزة عمسيب نجمة ببريق مختلف، وأسلوب متفرد، ووجه يلمع بموهبة تمثيلية أصيلة، وهي واحدة من أمهات الفنون السودانية في مجملها.
فايزة، تلك الفنانة البديعة الموهوبة وصاحبة الصوت المميز، تُعد من الممثلات النادرات اللاتي يجمعن بين القدرة على الإبكاء والإضحاك في آنٍ واحد دون تكلف أو افتعال، تمتلك إحساسًا صادقًا يصل مباشرة إلى القلب، وأداءً بسيطًا عميقًا يختصر الكثير من الكلام.
ـ وجدان الناس
دخلت فايزة عمسيب إلى قلوب السودانيين دون استئذان، ففتحت لها مساحة واسعة من المحبة والقبول، وأحبّها الصغار كما الكبار، لأنها ببساطة كانت تعبّر عنهم وتحكي حكاياتهم وتشبههم في صدقها وعفويتها.
(فوفو)، كما يناديها زملاؤها بمحبة، ليست فقط فنانة كبيرة، بل إنسانة مرحة وخفيفة الروح، حضورها يملأ المكان بهجة وراحة، وتمتاز بعلاقات طيبة مع الجميع قائمة على الود والاحترام والتقدير، وظلت طوال مسيرتها مثالًا للفنانة المتواضعة القريبة من الناس، تكسب القلوب قبل الأدوار.
ـ بداية الطريق
فايزة محمد عمسيب نصر وُلدت عام 1935م في مدينة رفاعة بولاية الجزيرة، فقدت والدها وهي صغيرة، وتربّت في بيت خالتها في بيئة بسيطة لكنها مليئة بالقيم والانضباط. درست واشتغلت معلمة في بدايات حياتها، وكانت عندها علاقة قوية بالمسرح المدرسي والنشاط الثقافي، ومن هنا بدأ التعلق الحقيقي بالفن.
ـ محطة التحول
حب المسرح لم يكن عابرًا، فشدّت الرحال واتجهت للدراسة الأكاديمية، والتحقت بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح ونالت دبلوم تمثيل، وده كان نقطة التحوّل الحقيقية في مسيرتها. من لحظة دخولها الوسط الفني بقت فايزة عمسيب حضورًا ثابتًا واسمًا ما بغيب عن خشبة المسرح ولا أثير الإذاعة.
ـ عشق المسرح
المسرح العشق الأول، فالمسرح بالنسبة لفايزة عمسيب ما كان محطة، كان بيتها الأول والأخير، وقفت على الخشبة بثقة وقدّمت أدوارًا نسائية قوية وجريئة وواقعية.
من أشهر المسرحيات التي شاركت فيها: عنبر المجنونات، وضريح ود النور، والدهباية، ونقابة المطلقات، ودربكين الليل، وبيت بت المنا ود مساعد، والشماشة، وبرلمان النساء. في الأعمال دي فايزة كانت بتلعب أدوار المرأة السودانية بكل تناقضاتها: القوية، المقهورة، الضاحكة، الساخرة والصابرة، وكانت بتوصل الرسالة بدون تصنّع وبأداء يخلي الجمهور يصدقها من أول لحظة.
في مسرح الشارع اشتغلت مسرحية (صفِّر يا قطر).
ـ حضور تلفزيوني
كان لها حضور في التلفزيون لا يُنسى، ففي الدراما التلفزيونية فايزة عمسيب كانت عنصر أمان لأي عمل. مجرد وجودها في التتر كان كفيل يدي المشاهد ثقة إنو العمل ده محترم. من أبرز المسلسلات التلفزيونية التي شاركت فيها: في انتظار آدم، والمال والحب، والبيت الكبير، والأرض الحمراء، والدافع، والجريمة، واللواء الأبيض، وقدمت شخصيات الأم والجدة والمرأة الشعبية، وكلها كانت قريبة من القلب، بعيدة من المبالغة ومليانة إحساس.
ـ تجربة مبكرة
من الأعمال الكبيرة التي شاركت فيها فايزة عمسيب وهي طالبة بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح مسلسل (وادي أم سدر)، فقد أخذت إذنًا من المعهد للعمل في هذا المسلسل، وكانت تصور المشاهد بعد انتهاء الدراسة، ومعروف أن التصوير كان في منطقة بعيدة (خلا)، وكانت تصور المشاهد الصباحية بعد الساعة الرابعة صباحًا، وتعود لمواصلة الدراسة، ثم الرجوع مرة أخرى لمكان التصوير بعد منتصف النهار.
ـ صوت الإذاعة
في الإذاعة كانت الصوت الذي يسكن الذاكرة، فلو سألت أي سوداني قديم عن صوت فايزة عمسيب حيقول ليك: صوت بيدفي. في الإذاعة كانت نجمة حقيقية، وقدمت عشرات الأعمال الدرامية، منها: عشاق تحت التمرين، وحبيبة بت رحال، والحب والمستحيل، وحكاية النجفة، وود كلتوم في الخرطوم، والموت في الزمن الحي، غير البرامج الإذاعية والتمثيليات القصيرة التي أصبحت جزءًا من ذاكرة المستمع السوداني.
ـ برامج إذاعية
في الإذاعة اشتركت في برامج كثيرة ومسلسلات، لكن البرنامج الذي قدمها للمستمع بشكل جيد هو برنامج (بليلة مباشر) الذي كان يقدمه الأستاذ إبراهيم البزعي.
ـ تجربة سينمائية
رغم قلة الإنتاج السينمائي السوداني، إلا أن فايزة عمسيب قدرت تحجز لها مكانًا في السينما، وظهرت في أعمال مهمة، أبرزها فيلم عرق البلح (1998) مع المخرج الراحل رضوان الكاشف والنجمة شريهان، وفيلم عرس الزين المقتبس من رواية الأديب الطيب صالح.
الأعمال دي عرّفت الجمهور العربي والعالمي على فايزة عمسيب وقدرتها العالية على الأداء الطبيعي الصادق.
ـ فوازير رمضان
شاركت في حلقة من (فوازير رمضان) مع النجم سمير غانم، وكانت عن عادات الزواج في جنوب السودان، وكانت حلقة مدهشة لأنها تناولت عادات غريبة على الآخرين.
ـ تكريمات عديدة
فايزة عمسيب اتكرّمت داخل السودان وخارجه، وشاركت في مهرجانات عربية وأفريقية، وكان من أبرز تكريماتها تكريمات مسرحية وثقافية داخل السودان، وتكريم في مهرجان المسرح العربي، وتكريم خاص في مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، لكنها اعتذرت عن الحضور بسبب ظروفها الصحية.
تكريماتها كانت أقل من عطائها، لكن حب الناس لها أكبر جائزة.
ـ معركة المرض
في السنوات الأخيرة الفنانة عانت فايزة عمسيب من مرض وأوجاع صحية مزمنة، وخضعت لعمليات وعلاج طويل داخل وخارج السودان، والمؤلم إنو قامة فنية بالحجم ده تلقى نفسها في معركة مع المرض، والدعم أقل من المتوقع في بلد طالما أضحكت أهله وأسعدتهم.
ـ واجب وطني
فايزة عمسيب ما بس فنانة، دي ذاكرة وطن، وعشان كدا واجب رسمي وشعبي إنو نقيف معاها.
ـ نداء دعم
وزارة الثقافة والمؤسسات الفنية ورجال الأعمال والجمهور والإعلام، كلهم مطالبين بدعمها وعلاجها وتكريمها وهي حية بيناتنا.
اللهم اشفِ فايزة عمسيب شفاءً لا يغادر سقمًا،
اللهم ألبسها ثوب الصحة والعافية، واجزها عنا خير الجزاء على عمر كامل قضته في إسعاد الناس.
فايزة عمسيب
تحية محبة ودعاء من قلب كل سوداني.













