بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
لم أمكثْ في صنعاء عاصمة اليمن كثيرا، إذ وزِّعت مع ثلاثة من رفاق الدرب إلى لواء مأرب. مأرب المدينة تقع شرق صنعاء، وتبعد عنها حوالي 200 كلم تقطعها السيارة في 3 ساعات تقريبا. الطريق إلى مأرب ينطلق من منطقة (هبرة)، جوار المعهد العلمي، ويمر بأراضي (أرحب) و(بني حشيش)، ثم فرضة (عقبة) نهم التي يبدأ منها هبوط السيارة إلى مفرق (الجوف) ثم وادي مأرب.
مأرب، المدينة التاريخية، تقع في وادٍ أغرقه سيل العرم في غابر الأزمان، حيث عرش بلقيس وسد مأرب. في مكتب التعليم ـ في مأرب الجديدة ـ تم توزيعي مع زميلي وصديقي (بشير ضوء البيت) إلى مدرسة (ماهلية العمود) المتوسطة والثانوية، معلما للغتين العربية والإنجليزية.
ولما كانت وسائل النقل لا تتوفر إلى تلك المناطق الجبلية فقد تم التنسيق لنذهب في عربة تاتشر (لاندكروزر) خُصصت لتوصيل معلمي (العبدية) التي تقع بعد ماهلية.
بعد الغداء في مأرب ارتأى صاحب السيارة وسائقها (أحمد ناجي الشدادي) أن نزور أطلال مأرب القديمة، وعرش بلقيس، وسد مأرب، فوافقنا شاكرين له. عرش بلقيس بأعمدته السبعة جوار الكثيب الرملي يشهد على قدم وأصالة حضارة اليمن، ومأرب القديمة وقفت مبانيها صامتة بكامل صورتها ومحتوياتها، كأن أهلها هجروها فجأة ذات ليلة! أما سد مأرب، الذي انهار بسيل العرم، فبقيت منه آثار وقنوات ونقوش وكتابات سبئية. ووجدنا شركة ألمانية تعمل على تشييد السد الجديد. هذه هي أرض الجنتين، ما زالت خصبة، مثل الجزر النيلية. البساتين والمزارع المخضرة، وطقطقة الماكينات شرق السد تؤكد أن المياه الجوفية قريبة من سطح الأرض هنا، وأن الجنتين ستعودان يوما ما.
قبيل المغرب طلبنا من أحمد ناجي أن ينطلق بنا إلى ماهلية، لكنه ـ لسبب ما ـ اقترح أن ننتظر ونصلي المغرب على رمال سد مأرب ثم نبدأ رحلتنا! وافقنا مكرهين، عملا بالمثل “أهل مكة أدرى بشعابها”، وحينما بدأ الليل يرخي سدوله تحركت بنا السيارة جنوبا إلى ماهلية. كنا ـ نحن المعلمين السودانيين والمصريين، نقبع في حوض (صندوق) السيارة، بينما آنس السائق في مقدمة السيارة كهلٌ يمني. الطريق رملي موحل، رأينا على جانبيه، أمام نور السيارة، شجيرات سدر وأثل (طرفاء) وأراك. هنا ترى آيات القرآن الكريم ماثلة أمامك. قال تعالى في سورة سبأ: “فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ”. ثم، بعد (الجوبة) و(القاهر)، تسلقت بنا السيارة جبال وعقبة (المناقل). الطريق ليس طريقا، إنما جُرفت حافة الجبال لتكون طريقا صخريا ضيقا لا يتسع لسيارتين، عن يساره هاوية ما لها من قرار، حينما تبدو لنا أحيانا نحسُّ أننا سنهوي إلى أسفلها في جرف عميق مخيف. بعد عناء، مع زحلقة حقائبنا من أول صندوق (الشاص) إلى آخره مرات ومرات، وبعيد منتصف الليل جلسنا في صندوق السيارة مرهقين، ثم هبطت بنا إلى وادٍ تقافزت أرانبه، وطارت طيوره فزعة من بين الصخور، ولفحنا برد الجبال. أوقفْنا أحمد ناجي وسألناه: أين ماهلية؟ فقال: “عادها”، أي ما زالت بعيدة! وقد صدق، فقد واصلنا مسيرنا، لكن في أرض شبه منبسطة. وأخيرا وصلنا ماهلية العمود قبيل أذان الفجر، بعد رحلة جبلية شاقة امتدت أكثر من تسع ساعات، ترجّلنا بعدها بصعوبة، كأننا نتعلم المشي!
الآن فقط عرفت لماذا حرص أحمد ناجي على أن نسير ليلا، فالمسافرون للمرة الأولى عبر عقبة المناقل، مثلنا، أفضل لهم الإدلاج ليلا حتى لا يروا قساوة التضاريس ووعورة الطريق الموصل إلى ماهلية!.













