أفق بعيد
سيف الدين خواجة
& أذكر في الستينيات كانت المناكفات تسعد كل الناس، لأنها كانت بالشعر القومي أو العربي الفصيح، وكانت بها التشبيهات الطريفة والجميلة، من أمثال السر قدور وكرف ومحمد الزبير الرشيد، زميل الوالد في التربية، وهو كرف من الحمران، وكان على الطرف الآخر أستاذي الحبيب الشاعر الفحل محي الدين فارس، الذي دخل معي مباراة وداع الأمير منزول وافتتاح استاد الهلال ضد الفريق الغاني، والذي كان دائمًا ما يقول لنا في الحصة عند اقتراب الهلال والمريخ من كأس الدوري: “قميص مفصل على الهلال”. وشعبيًا كان هناك عمنا سمساعة “يجيك في الساعة”. وكنا في ذلك المستوى الرفيع، رئيسنا محمد أحمد محجوب، الشاعر والمهندس والقانوني الضليع، وكان فخرًا لكل السودان، وانعقد على يديه مؤتمر اللاءات الثلاثة، وما أدراك ما ذاك!!!
فالناس على دين ملوكها، ويا لهم من ملوك أن يتكرروا، كما قال عنهم منصور: رحلوا خفافًا من أوزار الوطن!!!
& دخلنا حقبة السبعينيات مع ثورة مايو، فظهر أدباء بحق وحقيقة ملأوا الفراغ، وأسكروا الناس وأطربوهم لحد المشام، وكنت أقرأ تلك الكتابات البليغة في الاستادات، كنوع من مجاراة الدوبيت لخفتها ورشاقتها، وكانت شعرًا منثورًا كحبات اللؤلؤ المنثور، أو كالماء على البلور. من هناك القبطان الأديب الأريب، ومن هنا فردته وصديقه اللواء الأديب الأريب عمر علي حسن، وكذلك من هناك أبو فراس يقابله أبو آمنة حامد. وكنا نجتمع عليها في صينية الغداء، ليقرأ الوالد ويشرح ما وراء السطور، مع الابتسامات والتعليقات الساخرة والآخرة منا جميعًا، فالوالد يتيح لنا فرص المشاركة مستثيرًا فينا حاسة الإبداع والإمتاع. وقد قال لي اللواء عمر: كان القبطان يقرأ لي قبل أن ينشر ليأخذ موافقتي، وكنت أفعل نفس الشيء. يا الله، هذا جيل لا يعوض ولن يأتي مثله. وقد روى لي اللواء أنه ذهب لمناسبة اجتماعية، فقام الجميع للسلام، وحلفت على الوالد شاخور ألا يقوم، فذهبت إليه وجثوت على ركبتي لطولي، وقبلت بداية تقبيل الحوار لشيخه، فاستنكر أحدهم هذا من رئيس الهلال، فرد عليه شاخور متأخرًا قائلًا: (يا ولد، سعادة اللواء لو لم يسلم هكذا لما استحق رئاسة الهلال). هل هؤلاء ملائكة أم بشر؟ قمة الأخلاق والتسامح، لذلك كان المجتمع متماسكًا بالمودة والرحمة والمحبة، وكنا أيضًا على دين ملوكنا، فمن أين أتى هؤلاء الذين من بعدهم؟!!!
& مع تطور الأزمة الاقتصادية والهجرة، وانطلاق شيطان المادة فينا، ومع عمق الأزمة السياسية وبداية سيولة الدولة، انتشرت الصحف الرياضية، في حين تدهورت الرياضة تدهورًا مستمرًا حتى الآن، رغم أن ما صُرف عليها ينشئ دولًا من العدم. ومع ضياع الرقابة وضبط إيقاع الحياة، وانفراط عقد نظام الدولة، دخلت على الخط أقلام الهشاشة الثقافية، مع تحكم النشاط الطفيلي في مفاصل الدولة، وظهور رجال أعمال لا أصول مالية لهم، ملأوا الإعلام ضجيجًا بلا طحين، ووجدوا من أقلام الهشاشة المطبلاتية والزعازع، فصرنا إلى خروج مظاهرات ضد بعضنا البعض، ولا أحد يحرك ساكنًا. فصارت المسيرات لمنازل الرؤساء كأفراح الزواج والغناء لهم، مما ترك الحبل على الغارب للفوضى أن تستمر، وكل ذلك لإلهاء الناس عن محنة الوطن الأساسية. وللأسف، مع هذا التدهور المريع، انفجرت وسائل التواصل الاجتماعي، مما زاد الطين بلة، فصار كل من يريد أن يتكلم أو يكتب أو يظهر عبر الفيديو يفعل ذلك، فكانت وبالًا علينا، كما ضاعفت الأزمة الداخلية، فاختلط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح، والمبشر بالمنفر، وصرنا إلى ما ترى من ضياع للأخلاق والتسامح والمحبة والمودة، وازدادت هشاشتنا اقتصاديًا واجتماعيًا ودولتيًا. وصرنا إلى ما ترى من حرب ضروس قضت على الأخضر واليابس، وأصبحنا نبحث عن وجودنا بين العالمين، وما ذاك إلا من عمل أيدينا، ولا يغيرنا غيرنا ما لم نرتفع إلى مستوى المسؤولية ونتحدث حول الدولة والوطن، ونتناسى الانتماءات الضيقة، فالحاضر خاسر والمستقبل مجهول!!!













