الزبير نايل
**
من خلف الشاشة البلورية، ومن وراء نظارته السميكة ذات الإطار العريض، كان صوته يأتينا دافئا منسابا. بحّة صوته اللطيفة تلون الأداء.. ونبرته ترتفع وتهبط كأنها نوتةٌ موسيقية، مع إجادة مدهشة في الإلقاء تجعل المستمع مأخوذا بسحر الأداء قبل الالتفات إلى تفاصيل الخبر.
الفاتح الصبّاغ من الأصوات النادرة التي تُضفي على الخبر ظلالا من الهيبة والوقار. صوته الواثق كان يدفع الكلمات مباشرة إلى القلب، ولا غرابة في ذلك فهو صوتٌ صقلته إذاعة هنا أم درمان… وما أدراك ما تلك المدرسة العريقة التي خرّجت أجمل الأصوات وأرسخها حضورا.
الصبّاغ كان فيضا إنسانيا دافقا.. ممراح، خفيف الظل، حاضر النكتة ولا تمل مجالسته. عندما يجلس في مكان يتحلق الزملاء حوله لينثر لهم الطرائف والحكايات.. كان متواضعا حد الدهشة، يعامل الجميع بذات الروح الخفيفة والابتسامة الوضيئة، حتى أكاد أجزم أنه طوال مسيرته لم يُعرف عنه اشتباك مع زميل أو موقف يجرح خاطر أحد.
أذكر أنني شاورته يوم قررت مغادرة التلفزيون للعمل في الخارج، فأسدى لي نصائح صادقة ثم أردفها بابتسامته المعهودة قائلا:
“ما تنسانا من صالح الريالات والتحويلات”
ثم ضحكنا ضحكة ما زالت ترن في أذني.
الصباغ فنان موهوب.. إذا أمسك بالعود وغنى، فأنت أمام فنان كبير وكثيرا ما أثرى سهرات التلفزيون بمشاركات أدهشت المشاهدين… وحين تغنّى للفنان عبد الكريم الكابلي برائعته “الكل يوم معانا”، بدا وكأن الأغنية ولدت على يديه من جديد، حتى إن الكابلي نفسه شدّ على يده مثنيا على جمال الأداء وروعة الإحساس بها.
حراسك يا حالم الحياء والفضيله
والوعي المبكر والعاطفة النبيلة
وأمانيك عذارى تتجمع في ليله…
في أيامه الأخيرة، حين كان طريح الفراش الأبيض، كنت أتصل به لأخفف عنه بعض الألم، فإذا به يفاجئني بروحه المرحة ذاتها، يمازحني ويضحك كعادته ويمنحني جرعة من الأمل والطاقة الإيجابية.
في ديسمبر عام 2014 أسلم عزيزنا الفاتح الصبّاغ الروح لبارئها، مخلفا حزنا عميقا في الوسط الإعلامي وبين المشاهدين على حد سواء. فقد غاب عنهم صوت رافقهم قرابة نصف قرن. رحل الجسد، لكن صوته ما زال محفوظا في ذاكرة المستمعين والمشاهدين، وما زالت ضحكته وحكاياته تتردد في ذاكرة (أهل الحوش).
بعض الناس يمرون في الحياة مرورا عابرا…
لكن أمثال الفاتح الصبّاغ يتركون أثرا يشبه الضوء.
رحمك الله يا رفيق المهنة وصديق الذكريات،،













