ذكرى الرحيل الأولى.. اسم لا يشيخ في ذاكرة الرياضة
نموذج متكامل بين القيادة والتمثيل الوطني
حضور يتجاوز حدود الملعب.. ولاعب لا يتكرر
بقلم : عبد المنعم عثمان (ديم الكبير)
🔹 تمرُّ علينا هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لرحيل أحد أعمدة الكرة السودانية وأيقوناتها الخالدة، الكابتن علي قاقارين، ذلك الاسم الذي لم يكن مجرد لاعب موهوب أو هداف استثنائي، بل حالة فريدة صنعت مجداً كروياً ظل محفوراً في ذاكرة الجماهير. لم يكن حضوره داخل المستطيل الأخضر عادياً، بل كان امتداداً لروح جيل كامل من النجوم الذين شكلوا العصر الذهبي للهلال والمنتخب الوطني، وتركوا إرثاً يصعب تكراره.
وفي مثل هذه المحطات، لا يكون الاستحضار مجرد حنين للماضي، بل محاولة لقراءة تجربة استثنائية لرجل جمع بين الموهبة والانضباط، وبين التألق الرياضي والمسيرة العلمية والدبلوماسية. قاقارين لم يكن فقط هدافاً مرعباً، بل كان نموذجاً للإنسان السوداني المتكامل، الذي حمل اسمه وبلاده إلى آفاق أوسع، داخل الملاعب وخارجها.
وفي هذا السياق، نستعيد بعضاً من محطات سيرته، ونقترب من تفاصيل رحلته التي بدأت من أزقة حي العرب بأم درمان، لتصل إلى قمم المجد الرياضي، وتستمر في ذاكرة الوطن رمزاً لا يغيب.
نبوغ مبكر
ترافقت موهبة قاقارين في كرة القدم مع نبوغه في دنيا العلم والمعرفة، ففي مدرسة حي العرب الأولية كان ضمن الأحد عشر كوكباً من فريق المدرسة، وأصبح كابتناً لفريق حي العرب المتوسطة، وفي الأهلية الثانوية رافق ود العطا وقدوره والباشا، وواصل تألقه في فرق الفجر والمجاهد بالحي.
ولعب بعد ذلك بأشبال المريخ، حيث تقاسم الميدان الأخضر مع جاد الله وكاوندا، رغم هلاليته المعروفة، إرضاءً لأخيه الأكبر جعفر قاقارين، ولأن المريخ كان فريق الحي. وفي يوليو 1966م سُجل واعتمد قاقارين رسمياً لاعباً لفريق الهلال، فتتلمذ على يد المدرب القدير استاروستا، وكانت أول أهدافه في شباك النيل، وبدأ نجمه في البريق، حيث أصبح من اللاعبين الأساسيين للفريق، وأصبح جزءاً من القطاع الأزرق النبيل، هدافاً للدوري لسنوات عدة، حيث بلغت الأهداف التي سجلها دورياً (82) هدفاً، كما أبان إمبراطور الإحصاءات عبده قابل، له الرحمة والمغفرة.
مجموعة متوهجة
رافق نجوم الكرة في عصرها الذهبي، حيث لعب مع سبت، دودو أمين زكي، ديم الصغير، جكسا، حبشي، يونس، كوارتي، شاويش، كمال السني، الدحيش، كسلا، شوقي عبد العزيز، التاج محجوب، فوزي التعايشة، عبده مصطفى، الفاتح النقر، الضب، كتم، الريشة، مصطفى النقر، شواطين، شيخ إدريس، وشيخ إدريس بركات… إلخ.
فلهذه المجموعة المتوهجة كان الهداف الأول، حيث شهدت مباراة العامل 1974م تسجيله ستة أهداف (6) من جملة تسعة أهداف، فأطلق عليه رموز النقد الرياضي لقب (الرمح الملتهب)، وعلى باروكا تميزاً له كهداف موسوم بعشق الجماهير، وعشقت في شخصه الفانلة الزرقاء، ورددت في تشجيعها له بالمدرجات لحناً جميلاً: قاقا قاقا قاقا.
قانون دولي
التحق بجامعة الخرطوم وتخرج فيها عام 1971م حائزاً على بكالوريوس تربية آداب، وسفيراً للسودان (35) عاماً من 1977 حتى 2012، ويحمل الدكتوراه في القانون الدولي العام باللغة الفرنسية، ويحمل زمالة الأكاديمية العليا، ووسام الرياضة من الدرجة الأولى، ورئيس تجمع قدامى لاعبي الهلال، ورئيس تجمع لاعبي السودان.
وعندما سافر إلى فرنسا لنيل دبلوم الفرنسية، افتقدته الملاعب الخضراء، واشتاقت لأهدافه القبيلة الزرقاء، التي استقبلته عند عودته بمهرجان ضخم باستاد الهلال، حيث واصل مسيرة الإبداع الجميل لأسطورة الملاعب علي قاقارين.
تحصل على درجة الدكتوراه في جامعة نانتير بباريس (Nanterre) في القانون الدولي العام بامتياز درجة الشرف الأولى. وكان في تلك الفترة المرحوم محمد حمزة الكوارتي في باريس شهر العسل، وحضر وزوجته مناقشة الدكتوراه، وذكر الكابتن علي قاقارين أن هذا الموقف لن ينساه له، لأنهم كانوا قدماً خيراً عليه، هكذا هم أبناء الهلال في كل مكان يقفون مع بعض.
اجماع رياضي
ثمة إجماع في الأوساط الرياضية على حكمة الكابتن علي قاقارين واتزانه، وقد كنا من الجيل الذي حظي بمتعة مشاهدته داخل المستطيل الأخضر، حيث كان قائداً للهلال في المباريات التي تُقام باستاد الخرطوم، في زمن مختلف تماماً عن واقع اليوم؛ إذ لم تكن هناك وسائل ترحيل مخصصة للاعبين، وكانوا يتنقلون برفقة الإداريين، حيث اعتاد مدير الكرة الكابتن عثمان الديم اصطحابه بسيارته الخاصة، في مشهد يعكس بساطة تلك المرحلة وعمق العلاقات داخل المنظومة الرياضية.
ولم يكن قاقارين مجرد لاعب كرة قدم بارع، بل تجسدت فيه ملامح الشخصية السودانية المتكاملة، حيث امتدت تجربته لاحقاً إلى العمل الدبلوماسي، ليظهر سفيراً يحمل إرث بلاده وثقافتها بوعي عميق وإدراك رفيع. ومن خلال متابعته الدقيقة ومثابرته العلمية، تشكلت حوله هالة من الاحترام والتقدير، فكان أسطورة حقيقية في سبعينيات القرن الماضي، يجمع بين خفة الروح ورصانة الحضور، يروي النكتة والذكرى بسلاسة، ويطل بمظهر أنيق في بدلته المميزة بلونها الهادئ، بصوته الفخيم وهيبته التي لا تخطئها العين.
لاعب كرة وهداف مرعب يعرف طريقه للشباك بالقدمين والرأس، هداف ماكر، ثم أستاذ ثانوي بمدرسة بحري الحكومية الثانوية تخصص في مادة اللغة الفرنسية، ثم موظف بنك الشعب التعاوني، ثم دبلوماسياً بقامته وسفيراً، كل ذلك خرج من رحم حي العرب العريق (حي العرب شعر وأدب وكفر وطرب).
رقم ورمز
ثم ماذا عن هذا الفتى الحريف المهول؟ شيئاً فشيئاً أصبح اسماً ورقماً ورمزاً أبدياً باقياً في مكان السيادة، وفي قلوب ووجدان الشعب السوداني والرياضيين بصفة عامة، وأهل القبيلة بصفة خاصة.
(قا قا).. صياح الملايين المجنونة، تغيرت الحياة، ومن المدرجات إلى شؤون البيت صار (قا قا) أباً لبنات، يضحك في وجه من يقول له: وين الخليفة، ويتابع أخبار خمس بنات أميرات، ويلعب مع الأحفاد، ويطرب للدنيا من كرسي القماش.
إنه نجم غني عن التعريف، ظل رمزاً ونجماً من أواخر الستينيات إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي.













