هلاويات
عبدالوهاب هلاوي
حين سطع نجمه لأول مرة في مدينة كسلا، ازدحمت أماكن بيع الثياب النسائية، وارتفعت أسعار العطور، وتوافد الشباب على متاجر الأحذية والشارلستون.
كيف لا، وقد عرف ليل المدينة طعماً غنائياً جديداً أتى به ذلك الشاب الأسمر، القادم من تلك المدينة البعيدة.
تقول الحكاية إن النهر بدأ هادئاً ساكناً تلك الليلة، وجبل التاكا مندهشاً يرخي مسامعه لصوت جديد سرعان ما عشقه الليل، ورقص معه القمر والنجوم.
وتقول الحكاية إن مطربي المدينة، على جمال أصواتهم، وضعوا أيديهم على قلوبهم خوفاً على مكانتهم في نفوس عشاقهم ومعجبيهم.
للحقيقة والتاريخ، إن الصوت والطريقة التي جاء بها الفتى كانت على غير المألوف السائد، كما كانت قدرته على اختيار الكلام تفوق الوصف.
أعجب ما في الأمر أن الفتى نفسه ما كان يتوقع أن سراً إلهياً وشهرة كانت تنتظره، ثمرة مختبئة بين أشجار المانجو والبرتقال، أو لعل الصوت قد باركته الأضرحة، فانطلق ندياً حبيباً يسعد الحزانى.
التاج مكي.. اسم سرعان ما رددته في تلك المدينة جلسات القهوة برائحة البخور ولدغة الزنجبيل.
الألحان، كما تبدو، غير مألوفة أو محفوظة، وطريقة الأداء كانت جديدة ومحيرة، وأول الكلمات كانت لشاعر اعتمدته كسلا أيضاً، وقد جمعت بينهم نفس الظروف.. الوسيم مرتضى صباحي، وكانت أولى الخطوات.
التقط صوت الفتى ساحر الكلمات، الكبير الذي علّم الأغنية السحر، (حلنقي)، لتزيد من شهرته بعد “الأبيض ضميرك”.. ولكن هذه المرة بكل الألوان، و(حبيت عشانك كسلا.. خليت دياري عشانك).
ومن بين الكلمات، عرف الناس التاج أكثر، وعرف هو كيف يكون الغناء جاذباً ومجذوباً، وكيف يكون عذاب في كسلا.
سنوات قليلة، وأغنيات التاج من ضمن رسائل العشق، في أماكن بيع المشروبات، وعلى زجاج السيارات، وفي كبونات (ما يطلبه المستمعون).
حين وفد إلى العاصمة، دخلها عن طريق أم درمان، بعد أن أقنع الصوت مختصيها، فاعتمدوه وسجلوا له على الفور، ليجد نفسه كبيراً بين الكبار.
التاج مكي لم تخدعه شهرته في ليالي العاصمة التي لا تنام، فانطلق إلى مؤسسة الموسيقى (معهد الموسيقى)، لينهل منها، فتزينت موهبته أكثر وأكثر.
وبلا مقدمات، أخذت يد الهجرة الفتى بعيداً بعيداً عن كل الدوائر، فافتقده الناس. من هناك تغنى التاج وبكى بعشرات الأغنيات، كلها من وحي تلك المدينة، كلها في عيون حسانها في حي (الجسر) و(الميرغنية) و(الحلة الجديدة)، ومن خلالها يتمدد الوطن العريض والبعيد.
التاج مكي.. صُنع في تلك المدينة (كسلا)، ومن خلالها اكتسبت تلك المدينة شهرة واسعة.. هو مفخرة من مفاخرها، صادر من صادراتها، كالمانجو والحب والبرتقال.
وبدري من عمرك يا تاج.. أنت لسه شباب.













