مواقف وسوالف
خالد الضبياني
في كل حيٍّ سوداني، وعلى كل ملعبٍ ترابي، تولد موهبة كروية قادرة على الإبهار. مهارات فطرية، خيال في المراوغة، وحب أصيل لكرة القدم. لكن السؤال الذي ظل يتكرر بإلحاح: لماذا تبدأ هذه المواهب بقوة، ثم تختفي سريعًا، وكأنها لم تكن؟
المشكلة لا تكمن في غياب الموهبة، بل في غياب البيئة التي تحافظ عليها وتطوّرها.
أول أسباب هذا الفشل هو ضعف البنية التحتية الرياضية، فالموهبة تحتاج إلى ملاعب صالحة، ومدربين مؤهلين، وبرامج إعداد مستمرة. لكن الواقع يقول إن كثيرًا من اللاعبين ينشؤون في ظروف تفتقر لأبسط مقومات التدريب الحديث، مما يجعل تطورهم محدودًا، مهما كانت قدراتهم كبيرة.
ثانيًا، غياب التخطيط السليم داخل الأندية، فبدلًا من الاستثمار في اللاعب الشاب، يتم الاعتماد على الحلول السريعة والتعاقدات المؤقتة، دون بناء حقيقي للمستقبل. اللاعب الموهوب لا يجد المسار الواضح الذي ينقله من الناشئين إلى الفريق الأول بثقة واستمرارية.
أما العامل الثالث، فهو الضغط الجماهيري والإعلامي، خاصة في الأندية الكبيرة مثل الهلال والمريخ. اللاعب الشاب يُلقى به في أجواء مشحونة لا تحتمل الخطأ، فيُحاكم منذ أول مباراة، ويُقارن بنجوم كبار، فيفقد الثقة سريعًا بدل أن يُمنح الوقت لينضج ويتطور.
ولا يمكن تجاهل الجانب الإداري والمالي، فعدم الاستقرار داخل الأندية، وتأخر المستحقات، وسوء الإدارة، كلها عوامل تُفقد اللاعب تركيزه، وتدفعه أحيانًا للبحث عن فرص خارجية غير مدروسة، أو حتى الابتعاد عن كرة القدم نهائيًا.
هناك أيضًا جانب ثقافي مهم، يتمثل في غياب الاحتراف الحقيقي، فاللاعب الموهوب قد لا يجد التوجيه الكافي للالتزام بنمط حياة رياضي منضبط من حيث التغذية، والراحة، والتدريب الذاتي. الموهبة وحدها لا تكفي إن لم تُدعّم بعقلية احترافية.
إضافة إلى ذلك، تلعب الإصابات دورًا كبيرًا، خاصة في ظل ضعف الرعاية الطبية والتأهيل، فإصابة واحدة غير مُعالجة بشكل صحيح قد تنهي مسيرة لاعب كان يُنتظر منه الكثير.
النتيجة المؤلمة أن السودان لا يفتقر إلى النجوم، بل يفتقر إلى من يصنع النجوم ويحافظ عليهم. المواهب تظهر، تلمع قليلًا، ثم تنطفئ في صمت.
إن إنقاذ هذه المواهب يبدأ ببناء منظومة متكاملة: أكاديميات حقيقية، إدارات واعية، إعلام مسؤول، وجماهير تدعم بدل أن تضغط. فالموهبة السودانية كنز حقيقي، لكنها تحتاج إلى من يحسن استثماره، لا من يتركه يضيع.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نستمر في تكرار نفس الأخطاء، أم نقرر أخيرًا أن نحمي ما نملكه من إمكانيات قبل أن تختفي؟













