كل بيئة تمتلك ثروة رياضية خامًا
بقلم: شاذلي عبدالله
في مدينة سودانية ما، يجلس رئيس نادٍ أمام ورقة فارغة في بداية الموسم. يحتاج مدربًا، ولاعبين، وحافلة، وملابس تدريب. ميزانيته: دعم حكومي لا يكفي، ورعاة لم يأتوا، وجماهير تدفع تذاكر لا تُجمَع. يغلق الورقة، ويبدأ الموسم على أمل.
وفي الوقت ذاته، يفتح منعم يوسف (لونقة)… نجم كرة القدم السوداني السابق ومؤسس الأكاديميات… بثًا مباشرًا على تيك توك. حوله خبراء ومختصون، يتبادلون العصف الذهني حول واقع رياضتنا. المشاهدات تتجاوز الخمسة آلاف. بلا ميزانية، بلا رعاية، بلا استوديو. فقط صوت يأمل أن يجد أذنًا صاغية.
أندية القمة السودانية تحمل تاريخًا عريقًا وجماهير بالملايين… وهذا وحده رصيد تسويقي ضخم لم يُستثمر بعد. مراكزها الإعلامية تتطور، ومحتواها الرقمي يصل إلى جماهير خارج الحدود. لكن التطور الإعلامي وحده لا يكفي حين تغيب الذمة المالية المستقلة والهيكل المؤسسي المحترف. فالنادي الذي لا يملك قراره المالي لا يملك مستقبله… مهما كان تاريخه عظيمًا. وهذا التحدي مشترك، لا يخص ناديًا دون آخر.
السؤال الحقيقي ليس: «كم نملك؟»… بل: من يقرّر؟ حين يكون المموّل الدولة وحدها، تتحول الرياضة إلى موسم انتخابي. وحين يكون رجل أعمال واحد، تتحول إلى مشروع شخصي. وحين لا يكون أحد، تتحول إلى مواهب ضائعة وبطولات ناقصة. خبراء سودانيون نادوا بتحوّل الأندية إلى شركات مساهمة عامة ذات ذمة مالية مستقلة، تُباع أسهمها في البورصة، وتخضع لرقابة مؤسسية حقيقية. الفكرة موجودة… لكنها لا تزال في قاعات الندوات.
التجارب الناجحة في بناء الأندية تؤكد أن الخطوة الأولى ليست إيجاد المال… بل قراءة الواقع بصدق، وتصميم هيكل يحمي القرار، وتفعيل الطاقات الموجودة، ثم التجريب بحجم صغير قبل التوسع، ثم تسليم المشروع لمن يكمله. المنهج يسبق الميزانية دائمًا.
لونقة يفعل الشيء ذاته بهاتفه. لا ينتظر من يموّله… يبني نموذجًا يُقنع من يموّل. المال يأتي حين تُثبت أن لديك منهجًا، لا حين تُثبت أن لديك حاجة.
الهدف الأممي الثامن… العمل اللائق ونمو الاقتصاد… لا يتحقق برياضة تعيش على الدعم المؤقت. يتحقق باقتصاد رياضي حقيقي: رعايات، حقوق بث، أكاديميات مدرّة للدخل، وأندية تملك قرارها قبل لقبها.
من يموّل يقرّر… هذه حقيقة لا جدال فيها. لذلك السؤال الأهم ليس: كيف نجد مموّلًا؟ بل: كيف نبني مؤسسة لا تحتاج إذن أحد لتستمر؟
وأنت… هل سبق أن رأيت ناديًا واعدًا مات بسبب غياب التمويل، لا غياب الموهبة؟
المقال القادم (6/13): المرأة والرياضة — نصف المعادلة الغائبة













