داليا الأسد
عبارة “لمة الحبان” تحمل دلالات جميلة في الثقافة السودانية، ونجدها تجمع الأحباب والأصدقاء، وتُعد واحدة من أقوى الأسلحة في مواجهة فترات الاكتئاب. فهي ليست مجرد لقاء اجتماعي، بل هي دعم نفسي يعيد للشخص المكتئب شعوره بالانتماء والقيمة، بحيث تؤثر هذه اللمة في لحظات الاكتئاب بكسر الحاجز الزجاجي السميك.
لأن الاكتئاب يجعل الإنسان يشعر وكأنه خلف زجاج عازل، فيرى العالم لكنه لا يشعر به، فوجود الأحبة حولك يساعد في تبديد العزلة، ويدفعك للخروج من حالة الانسحاب. وبوجود أشخاص يحبونك ويهتمون لأمرك، يمنعونك من الغرق، خاصة في الوحدة الموحشة. فالحبان دائمًا يذكرونك بنفسك القديمة قبل الاكتئاب، ويساعدونك على رؤية ميزاتك التي طمسها المرض أو الظروف القاهرة، خاصة ما واجهناه من الحروب والشتات، لأن عازل التوتر أثبت أن العلاقات القوية مع المقربين تعمل كدرع يحمي من القلق والاكتئاب، ويعمل على تحسين المزاج بالتفاعل الاجتماعي الإيجابي، ويحفّز النواقل العصبية التي تساهم في تخفيف ثقل الاكتئاب.
فتفريغ المشاعر ليس مجرد الحديث والمواساة، لكنه يقلل من حدة “التبلد” الذي يسببه المرض. وأحيانًا قد يجد المكتئب صعوبة في التفاعل حتى مع “الحبان”، وقد يشعر الشخص أنه “فقد الحب” أو القدرة على الاهتمام، لكن هذا غالبًا ما يكون مجرد خدر عاطفي ناتج عن الاكتئاب، وليس حقيقة مشاعره.
وقد يخشى المكتئب أن يُنظر إليه كشخص “ممل” أو “ضعيف”، وهنا تبرز قيمة الحبان الحقيقيين الذين يقدمون احتواءً غير مشروط، وبذلك يخرج من حالته بالقوة، فقط كن موجودًا، ففي صمت “اللمة” أحيانًا شفاء أكبر من الكلام.
فلمة الأحباب مع الأصدقاء هي كنز حقيقي ونعمة عظيمة تروي الروح، حيث تُعد الصداقة أسمى أنواع الحب غير المشروط، وهي لحظات نادرة يصدق فيها القلب، حيث يجتمع الأوفياء لتعزيز الودّ، ومشاركة الضحكات، ودعم بعضهم في مواجهة الحياة، ليصبح الصديق بمثابة وطن صغير، وأخ لم تلده الأم. وجمال لمة الأصدقاء أنهم يقرؤونك دون حروف، ويفهمونك دون كلام، بحيث تُجنى في كل لحظة، وتزداد قوتها مع مرور الزمن والمواقف، والصديق الوفي هو من يسندك وقت الضعف، ويخفف عنك الحمل، ويبقى جنبك في أوقات الشدة قبل الرخاء.
فلقاء الأصدقاء، خاصة القدامى منهم، يعيد إلينا روحنا الأصلية التي نحتفظ بها معهم كأمانة عبر الزمن وذكريات لا تُنسى، لأن اللمة هي صانعة الذكريات، فالأصدقاء هم من يجعلون للحياة نكهة مميزة لا تُقدّر بميزان ولا بأثمان، فهي الوردة الوحيدة التي لا أشواك فيها.













