الوجع الخفي
د. أميمة عثمان
اخترتُ أن أُذعن للصمت، لا استسلامًا له، بل صونًا لما تبقّى من مقاطعي الممزّقة. تدثّرتُ به، مبتعدًا عن المعاني المستهلَكة، وعن كل ما يُعاد إنتاجه في أذهانٍ أدمنت سباتها، حفاظًا على هيئاتٍ مُصطنعة: طواقي وعِمَم وملافح، مُطرّزة كانت أم سادة، تُخفي ما استدار من كروشٍ، وما تمدّد من زيفٍ على عروشٍ واهية.
ثمة أفكارٌ ناشزة خرجت عن طور النص والكتابة، تستدعي أن تُرسَم على جدار عرضٍ فاضح. ومع ذلك، اخترتُ صمتي؛ لم يُفرض عليّ السكوت، بل كان قراري الوحيد حين صار ابتذال المعنى هويةً يتزيّا بها محترفو “الأسواق”، حيث تُباع الأفكار كما تُباع الأسهم، وتُستهلك القيم كما تُستهلك السلع.
غدت قابلية التعبير مُشوّهة، كأنّ الأرحام قد عقمت، فلم نعد نُنتج سوى فائضٍ من القبح المُعاد تدويره. نستنشِق عفونة غرائزنا، وننخرط في استعراضٍ فجّ للأفعال، تصاحبه جوقة من النهيق، تُسمّيه الميديا “صوتًا”. وكما كبرت حبّة البرتقال بفعل المعالجات الكيميائية، تضخّمت رؤوسنا حتى كادت تنفجر من فرط الفراغ والضجر.
خرج الممثلون عن النص، لكننا سبقناهم إلى الخروج من كل النصوص، من كل المعايير، من كل ما كان يومًا يُسمّى معنى. فمتى يُسدل الستار؟
بعض ما نمرّ به من أحداثٍ يتحدّى الزمان والمكان، يقف خارج قوانين المألوف، عالقًا في أعماقنا بين شدٍّ وجذب، بين انكسارٍ واستقامةٍ داخل كيانٍ ممزّق. نُراوِح مكاننا، لا لأننا عاجزون عن الحركة، بل لأننا فقدنا يقين الاتجاه.
نمارس طقوس الانحناء للأيام كي تمضي بسلام، بينما نبقى نحن أسرى لها؛ تُشكّلنا كما تشاء، مظهرًا وجوهرًا، حتى يغدو التمنّي فعلنا الوحيد: لو كان بمقدورنا تمزيق الحاضر.
ألا يقولون إن الحياة كتاب؟
لكن، ماذا لو كُتب علينا أن نقرأه دون أن نملك حقّ تمزيق صفحاته، أو حتى تعديل سطرٍ واحد فيه؟













