من استوديوهات الإبداع إلى رصيف المعاش.. قصة إذاعي استثنائي
يسرية محمد الحسن
في العام 1978 استوعبت الإذاعة السودانية مجموعة من الشباب المتقدمين لوظائف مختلفة، ووفق النظام (السيستم) المعمول به آنذاك، أُجريت المعاينات والاختبارات اللازمة. وكان من بين الذين وقع عليهم الاختيار الشاب صلاح الدين الفاضل التوم، ليلتحق متدرباً بقسم الإخراج بالإذاعة، الذي كان يترأسه آنذاك المخرج الكبير صلاح الدين الفاضل أرصد.
ضمّت المجموعة عدداً من الشباب، وكان أرصد يشرف على تدريبهم عملياً ونظرياً وفق جداول محددة. وبعين الخبير، رغم أنه لم يكن يكبرهم إلا بسنوات قليلة، انتقى منهم مجموعة مميزة ضمت صلاح التوم، وعماد الدين إبراهيم، وعبود سيف الدين، ولاحقاً عوض بابكر، وبليغ، والبزعي، والذين عُرفوا داخل الإذاعة بـ”أولاد صلاح الفاضل”.
نقلة نوعية
برز صلاح الدين التوم سريعاً بفضل استيعابه العالي في الجوانب النظرية والعملية، فأسندت إليه مهام إخراج برامج كبيرة، ليتدرج اسمه ويصعد نجمه كأحد المخرجين المبدعين. ومع تولي الأستاذ محمود أبو العزايم إدارة الإذاعة، شهدت المؤسسة نقلة نوعية كبيرة، حيث أطلق “إذاعة صوت الأمة السودانية”، التي بثت برامجها مساءً، واستقطبت نخبة المبدعين، وكان من بينهم صلاح التوم.
وقد أتاح أبو العزايم الفرصة للكفاءات الشابة لإبراز مواهبها، فبرز التنافس الشريف في تقديم محتوى برامج متنوع بين الثقافة والترفيه والسياسة. ومن أبرز الأعمال التي أشرف عليها صلاح التوم “سهرة الأحد” التي حققت انتشاراً واسعاً، وتلقت أكبر عدد من رسائل المستمعين.
وفي خطوة تؤكد رؤيته في صناعة النجوم، اختار أبو العزائم عدداً من المبدعين، بينهم صلاح التوم، للالتحاق بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح، حيث نالوا الدبلوم العالي في الإخراج والتمثيل، ليعودوا لاحقاً ويشكلوا إضافة نوعية للإذاعة السودانية.
مفارقة مؤلمة
تقلد صلاح التوم العديد من المناصب، من بينها رئاسة قسم الإخراج، ومدير مؤسس لإذاعة ولاية الخرطوم عام 1990، وإذاعة البحر الأحمر عام 1996، ومدير إدارة التنفيذ، وعضو اللجنة العليا للبرامج، ومدير إدارة البرامج الوثائقية، وصولاً إلى مدير الإذاعة القومية عام 2019. كما شارك في العديد من الفعاليات الدولية، وامتلك خبرات واسعة في الإدارة الإعلامية وإدارة الأزمات.
ورغم هذا العطاء الكبير، أُحيل إلى المعاش الإجباري، شأنه شأن عدد من المبدعين، في مشهد يعكس مفارقة مؤلمة، حيث يُقصى أصحاب الخبرة في وقت تحتاج فيه المؤسسات إلى خبراتهم.
مسيرة حافلة
وفي هذا السياق، عبّر وزير الثقافة والإعلام الأسبق د. جراهام عبد القادر عن حزنه لما آلت إليه أوضاع المبدعين، مشيراً إلى مشاهدتهم خارج مواقعهم الطبيعية داخل الاستوديوهات، في وقت كان ينبغي الاستفادة من خبراتهم.
وتبقى قصة صلاح الدين التوم نموذجاً لمسيرة حافلة بالعطاء، وسؤالاً مفتوحاً حول ضرورة مراجعة قوانين الخدمة بما يتيح استمرار الاستفادة من الكفاءات الإعلامية، أسوة بما هو معمول به في العديد من دول العالم.
نقلا عن صحيفة أخبار اليوم









