(تيارات)
إبراهيم العمدة خوجلي
الأرضُ تحيا إذا ما عاشَ عالمُها
وإن أبى عادَ في أكنافِها التلفُ
مولانا الخليفة الطيب الجد العباس، خليفة الشيخ ود بدر بمسيد أم ضوا بان، كان من العلماء الأفذاذ الذين جمعوا بين العلم والخلق والتقوى. رجل دينٍ حافظٌ لكتاب الله، وزاهدٌ متواضعٌ عرف كيف يجسّد تعاليم الدين في سلوكه اليومي قبل قوله. لم يسعَ للشهرة ولا للظهور، بل سار طريق البساطة والإخلاص، فصار قدوةً تقتفيها القلوب المؤمنة.
قبل أن يتولى خلافة الشيخ ود بدر، عمل في السلك القضائي وكان أحد قضاة المحكمة العليا، عادلًا قوي الحجة، ثابتًا على الحق، واسع الفهم وحليمًا في القضاء. جمع بين حزم القاضي وورع العالم في صورة فريدة.
حدثتني المعايشة الطويلة بأن الشيخ الطيب الجد رجل دينٍ ومجتمعٍ نادر المثال؛ هادئ بتواضع الكبار، قوي الإرادة، نقي السريرة، طيب القلب، سمح الطباع، قريب من الناس، يستمع أكثر مما يتحدث، ويدير الأزمات بالحكمة والاتزان. في حضرته تشعر بالسكينة، وبأنك أمام مدرسةٍ في الأدب والتدين والتواضع الحقيقي.
كان يجلس بين طلبة القرآن في حلقات الذكر، يردد معهم الراتب بصوتٍ خاشع، متجردًا من أي مظاهر تعالٍ.
ويشارك الناس مناسباتهم الاجتماعية، صغيرهم وكبيرهم، داخل مكتبه أو في داره أو في مسيده الذي يعج دائمًا بالضيوف والمريدين والحيران وطلاب العلم، حيث تتدفق نار القرآن وحلقات الذاكرين على الدوام.
عرفته عن قرب أثناء عمله في كسلا حين كان قاضي المديرية قبل رحلته إلى قطر، وكانت بيننا علاقة خاصة توثقت بصلة والدي العمدة خوجلي، رحمه الله، بمسيد الشيخ ود بدر وساداتنا البادراب. فقد حفظ والدي القرآن على يد الخليفة حسب الرسول (أبو غرة)، وكانت تربطه وشيوخه مودة كبيرة، امتدت إليّ معرفة ومحبة من مولانا الطيب، فكان يسأل عني كلما جاءه أحد من منطقتي، ويخصّني بالدعاء والتحية.
في إحدى زياراته للمملكة العربية السعودية لأداء العمرة، تشرفت بمكالمته الهاتفية التي أطالت الحديث بيننا. تحدثنا بمحبةٍ صافية عن الأهل والبلد، وتمنى الله أن يجمعنا في السودان، وقد كنت أبادله هذا الشوق والاحترام، وكنت حريصًا على زيارته وأسرته في أم ضوا بان، ولكن طول الغياب حالت بيننا والمسيد الذي أحببناه.
الخليفة الطيب الجد كان محبوبًا للعامة والخاصة، يُجمع كل من عرفه على تواضعه وسمو خلقه.
تجمّعت الأيدي والقلوب يوم وداعه الأخير، وتوافدت الجموع الغفيرة من الأهل والمريدين والأحباب من شرق النيل والسودان كافة لتشييعه، وصُلّي عليه بمسجد مولانا الحسين في القاهرة في مشهدٍ مهيبٍ يليق بعالمٍ وهب عمره للعلم والدين والإصلاح.
مضى الخليفة إلى الرحمنِ مبتسمًا
قد أخلص العهدَ لا زاغًا ولا غدرًا
رحلتَ عنّا ولكن ذكركَ خالدٌ
والعلمُ يُبقيك بين الناس منتشِرًا
رحم الله الخليفة الطيب الجد العباس، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين.
تعازينا لابنه الأستاذ عمر الطيب، كبير مذيعي إذاعة لندن (BBC)، ولشقيقه أحمد، وشقيقته الدكتورة نجوى، ولآل الشيخ العباس وساداتنا البادراب، سائلين الله أن يلزمهم الصبر وحسن العزاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون.









