هلال وظلال
عبد المنعم هلال
ـ في الهلال، القصة ليست فقط فوزًا وخسارة، ولا تسجيلات وانتدابات، القصة الحقيقية الحاصلة وراء الكواليس أخطر بكثير. هناك دائرة ضيقة باتت تحيط برئيس النادي إحاطة السوار بالمعصم؛ دائرة من إعلاميين وصحفيين وبعض المشجعين المقربين، أصبحوا جزءًا من المشهد اليومي في حياة الرئيس: في مكتبه، في بيته، في الطائرة، في سفره، وحتى في قراراته.
ـ المشكلة ليست في القرب، المشكلة في التأثير. هؤلاء الناس، إلا من رحم ربي، لم يعودوا مجرد ناقلين للواقع، بل أصبحوا صُنّاع واقع بديل، واقع مفصل على مزاج الرئيس، خالٍ من النقد، مليء بالمديح، ومغلف بعبارات مثل: (حاضر يا ريس)، (كل شيء تمام)، (الجمهور راضٍ)، و(الوضع تحت السيطرة)، لكن الحقيقة غير ذلك تمامًا.
ـ الهلال، ككيان كبير، لا يمكن أن يُدار بالعاطفة ولا بالمجاملات. هذا النادي قائم على تاريخ طويل، وجمهور واعٍ، ومكانة لا تقبل العبث. لكن عندما يكون القرار محاصرًا بمجموعة تزيّن الباطل وتبطل الحق، فالنتيجة الطبيعية هي الانفصال عن الواقع.
ـ رئيس الهلال في عزلة مصنوعة، وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي رئيس نادٍ هو أن ينفصل عن الحقيقة. هذه العزلة ليست بالضرورة بإرادته؛ أحيانًا تكون مصنوعة حوله. الناس القريبون منه يوصلون له الصوت الذي يرضيه، ويحجبون عنه الصوت الذي يزعجه، حتى لو كان هو الصوت الصحيح. ومع مرور الزمن، يصدق الرئيس هذه الصورة ويتعامل على أساسها، وهنا تبدأ القرارات الخاطئة، والتقديرات غير الدقيقة، والتجاهل المتكرر لرأي الجمهور.
ـ الإعلام بين الرسالة والمصلحة؛ فالإعلام من المفترض أن يكون سلطة رقابية، عينًا على الإدارة ولسان حال الجمهور. لكن عندما يتحول إلى جزء من (الحاشية)، يفقد دوره الحقيقي. بدلًا من أن يسأل ويحاسب، أصبح يبرر ويدافع، وبدلًا من أن ينقل الحقيقة، أصبح يصنع رواية. في هذه الحالة، الهلال يخسر مرتين: مرة عندما يكون القرار خاطئًا، ومرة عندما يتم تلميع الخطأ وتقديمه كإنجاز.
ـ الجمهور الغائب الحاضر؛ جمهور الهلال هو الأصل، وهو الثابت الوحيد في معادلة تتغير كل يوم. جمهور لا يبحث عن مصلحة شخصية ولا يسعى لمكاسب، كل همه أن يرى فريقه في القمة. لكن السؤال: هل هذا الصوت يصل؟ للأسف، في وجود هذه الحواجز البشرية، صوت الجمهور أحيانًا يُحجب، أو يصل مشوهًا، أو لا يصل أصلًا، وهذه كارثة، لأن أي إدارة لا تسمع لجمهورها تفقد بوصلتها.
ـ ثقافة (نحن معك مهما كان)؛ هناك من يرى أن الولاء يعني التأييد المطلق حتى في الخطأ، لكن الحقيقة أن الولاء الحقيقي هو قول الحق، حتى لو كان مُرًا، وأن تنتقد من أجل الإصلاح، لا من أجل الهدم.
ـ هناك من أصبح دوره تزيين أي قرار، حتى لو كان خاطئًا، يقنعون الرئيس بأن كل شيء على ما يرام، وأن الجمهور راضٍ، وأن الانتقادات مجرد (حسد) أو (استهداف). هذا النوع من الحاشية خطير جدًا، لأنه ببساطة يعزل الرئيس عن الحقيقة.
ـ الثقافة الحالية حول الرئيس، في جزء كبير منها، مبنية على التأييد الأعمى، وهذا ليس دعمًا، بل تضليل. والنتيجة الطبيعية: قرارات غير مبنية على واقع، فجوة بين الإدارة والجمهور، وفقدان تدريجي للثقة، وكل ذلك بسبب سيطرة صوت واحد وغياب بقية الأصوات.
ـ الحل بسيط، لكنه يحتاج إلى شجاعة. الرئيس أمام خيار واضح: إما أن يستمر في هذه الدائرة الضيقة ويخسر أكثر، أو يكسر الحاجز ويقترب من الحقيقة. والحقيقة موجودة في المدرجات، في الشارع، في صوت الجماهير، وفي كلام الناس الذين يتحدثون دون مصلحة.
ـ الخطوة الأولى: الانفكاك من (بطانة التزيين) وأصحاب (المصلحة) و(الظروف) و(الإشعار الأخضر).
ـ الخطوة الثانية: فتح قنوات مباشرة مع الجمهور، أصحاب الوجعة وعشاق الشعار (الأزرق).
ـ الخطوة الثالثة: إعادة تقييم كل القرارات بناءً على الواقع، لا على التقارير المزورة وصفحات التطبيل وهتافات التكبير.
ـ هذه القضية ليست جديدة في عالم كرة القدم، لكنها في الهلال أصبحت أوضح بسبب حساسية المرحلة والضغوط الكبيرة على الإدارة.
ـ وجود (بطانة إعلامية) ومجموعة من المطبلين يمكن أن يحول أي رئيس من قائد إلى متلقٍ للمديح فقط، وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يمر بها أي نادٍ.
ـ يا ريس، الجماعة حولك يقولون لك ما تريد سماعه، لكن الذي يحبك يقول لك ما يحدث.
ـ الهلال لا يحتاج من يزيّن، بل يحتاج من يصحّح، ولا يحتاج أصواتًا عالية، بل يحتاج صوتًا صادقًا.
وفي النهاية، الإدارات تتغير، والأسماء تمضي، لكن الهلال باقٍ.









