أفق بعيد
سيف الدين خواجة
&عن العمود السابق تباينت ردود الأفعال، إلا أن أكثرها كان عاطفيًا، كعادتنا في تبسيط الأمور حدّ الخلل. وبدا واضحًا أن كثيرًا من الناس لا يعطون الأمر أهميته، مع أنه من أهم ما يحدد قيمة الكيان، بل قيمة النادي نفسه.
&بعضهم قال إنه مجرد تنظير، مع أنني سردت تاريخًا طويلًا من نهاية الستينات إلى الآن، وآخر اختصر الأمر في أن السوباط والعليقي هما من يدفعان، وكأن الميزانية تعني الدفع فقط. والحقيقة أنني، وحسب إمكانياتي، قدمت للهلال مالًا وجهدًا منذ أيام صندوق عمنا سباعي، رحمه الله، وحتى دعم المعسكرات والمعينات الكروية، ويكفي أن أذكر أن آخر مساهمة كانت شيكًا بمبلغ خمسة آلاف وخمسمائة ريال لشراء كمبيوتر للنادي.
&أهمية الميزانية لا تكمن في الأرقام فقط، بل في كونها تحفظ قيمة النادي وأصوله دفتريًا وسوقيًا، وتعطي مؤشرات واضحة للصرف والإيرادات، وتساعد أي إدارة على العمل وفق رؤية واضحة. كما أنها تفيد في حالة طلب التسهيلات البنكية أو جذب الاستثمارات، وتحدد مصادر الدخل وأوجه الصرف، خاصة إذا كانت هناك ميزانية تقديرية مسبقة تتم مراجعتها لاحقًا لتحليل الأداء المالي.
&والأهم أن الميزانية تُعرض على الجمعية العمومية، قبولًا أو رفضًا، بعد مناقشتها من الأعضاء، فهي أساس الحكم على أداء الإدارة، بل هي “ترمومتر” النجاح أو الفشل.
&إذا كان الكيان يُدار إداريًا، فإن الجانب المالي هو الوجه الآخر للإدارة. وقد شهدنا نماذج مضيئة، مثل تجربة الراحل حسن عبد القادر الحاج، الذي قدم ميزانية نموذجية لبناء الاستاد، تميزت بالدقة والتبويب والتوضيح، وكانت سابقة في تاريخ الهلال والسودان.
&من الأخطاء الشائعة أن يُعتقد أن من يدفع هو الميزانية. نحن لا نرفض دعم رجال الأعمال، بل نرحب به، لكن بشرط أن يكون منظمًا عبر قنوات واضحة ودورة مستندية محكمة، حتى نعرف حجم الصرف وكيفيته، وكيفية تسويته مستقبلًا، سواء بالسداد أو الإعفاء، وحتى لا يتأثر النادي بأي هزة مفاجئة.
&ما دعاني لطرح الموضوع أن الأرقام التي ظهرت مؤخرًا في ميزانية النادي كارثية، ولا تعكس الواقع، فهي تقريبية وغير مبوبة بشكل صحيح، ولا تحتوي على تفاصيل الأصول أو الإيرادات أو المصروفات. مثل هذه الميزانية لا تصلح للنقاش داخل الجمعية العمومية، ولا يعتمد عليها في تقييم النادي من قبل البنوك أو المستثمرين، بل قد تقود إلى أزمات حقيقية تهز الكيان.
&المشكلة أن كل مجلس إدارة يبدأ من الصفر، دون عمل تراكمي، مما يجعلنا ندور في حلقة مفرغة، بينما يتم استغلال عاطفة الجماهير لتجاوز القضايا الأساسية، وهو طريق لا يقود إلى التقدم.
&نحن بحاجة إلى وعي جماهيري وإداري يدرك أن التخطيط السليم هو الطريق للاستقرار. النموذج أمامنا في النادي الأهلي المصري، الذي تحول من نادٍ محدود الموارد إلى أحد أغنى الأندية في أفريقيا، بفضل الإدارة المحترفة والضبط المالي. لذلك أصبحت مؤسسته نموذجًا يحتذى به، حتى في الانتخابات التي تتم بسلاسة وتنتهي بوحدة الصف.
&ويروي اللاعب الراحل أمين زكي، الذي لعب للأهلي، أنه بعد شهر من انضمامه طُلب منه استلام كل مستحقاته في شيك واحد، وعندما رفض قيل له: “هذا حقك، وإن أردت التبرع به فاذهب إلى خزينة الإيرادات”. هذه هي الاحترافية التي تصنع الفرق.
&ما نرجوه للهلال ليس مستحيلًا، بل هو تنظيم وإدارة واعية، بعيدًا عن دغدغة المشاعر أو التبرير، لأن الواقع لا يتغير بالكلام، بل بالعمل، والحال كما هو لن يقودنا إلى الأمام.









