ريادة غيّرت ملامح الفن.. وسيرة صنعت المجد ودفعت ثمنه
تزوجت الشاعر الكبير الفيتوري.. ورحلت بطلق ناري في أتون الحرب
كسرت صمت المسرح.. وأعادت تشكيل صورة المرأة على الخشبة
تجاوزت حاجز النساء.. ووضعت أول خطوة فوق الخشبة
عبد المنعم هلال ـ آكشن سبورت
ـ في مثل هذا اليوم الموافق 3 مايو من عام 2023، رحلت عن الدنيا الأستاذة آسيا عبد الماجد، التي تُعد واحدة من أهم الشخصيات الفنية في تاريخ السودان الحديث، بل تُلقب بـ(ممثلة السودان الأولى)، لما أحدثته من نقلة نوعية في المسرح السوداني، ولجرأتها في اقتحام مجال كان حكرًا على الرجال في زمنٍ محافظ. لم تكن مجرد ممثلة، بل كانت مؤسسة لمرحلة كاملة من الوعي الثقافي والفني في السودان.
السيرة الذاتية والنشأة
ـ وُلدت آسيا عبد الماجد (واسمها الحقيقي آسيا محمد توم الطاهر الكتيابي) عام 1943 في مدينة أم درمان، وسط أسرة سودانية معروفة.
نشأت في بيئة اجتماعية محافظة، وعاشت طفولةً لم تكن سهلة بعد انفصال والديها، حيث تكفّل أحد أقاربها بتربيتها، وهو عبد الماجد، الذي أضافت اسمه لاحقًا إلى اسمها الفني تقديرًا له.
ـ منذ وقت مبكر ظهرت ميولها الفنية، خاصة أثناء دراستها في مدرسة كرري الوسطى، حيث انضمت إلى جمعية التمثيل، وبدأت أولى خطواتها في عالم المسرح، بل وكتبت وأخرجت مسرحية بعنوان (دهشورة) تناولت قضايا اجتماعية مهمة.
البداية الفنية والانطلاقة
ـ دخلت آسيا عالم المسرح في فترة كانت مشاركة المرأة فيه شبه معدومة، لكن في عام 1965 وقفت على خشبة المسرح لتصبح أول امرأة سودانية تمارس التمثيل المسرحي بشكل علني.
كان ظهورها حدثًا تاريخيًا، إذ كسرت الحواجز الاجتماعية وفتحت الباب أمام أجيال من الممثلات السودانيات.
ومن أبرز أعمالها المبكرة مشاركتها في مسرحية (بامسيكا)، التي عُرضت بمناسبة الذكرى الأولى لثورة أكتوبر، وهو عمل ساهم في ترسيخ حضورها الفني.
الدراسة والتأهيل الأكاديمي
ـ لم تكتفِ آسيا بالموهبة، بل سعت لتطوير نفسها أكاديميًا، فسافرت إلى مصر والتحقت بكلية الفنون المسرحية، حيث تخرجت عام 1972، وكانت الأولى على دفعتها. ومن اللافت أنها درست مع نخبة من كبار الفنانين العرب، مثل أحمد زكي، وعفاف شعيب، وسميرة محسن.
وخلال فترة دراستها شاركت في أعمال مسرحية بالقاهرة، منها مسرحية (البكاشين) مع الفنان فريد شوقي، إضافة إلى أعمال مثل (شجرة الدر)، أو (كليوباترا)، و(سندريلا).
مسيرتها الفنية والإعلامية
ـ امتدت مسيرة آسيا عبد الماجد عبر عدة مجالات:
1. المسرح
تُعد رائدة المسرح السوداني بلا منازع.
شاركت في تأسيس حركة مسرحية حقيقية.
قدمت أعمالًا ذات طابع اجتماعي وتوعوي.
2. الإذاعة والتلفزيون
مع انطلاق التلفزيون السوداني في الستينيات، كانت من أوائل المشاركين في الأعمال الدرامية، وقدمت برامج ومسلسلات ساهمت في نشر الثقافة الفنية.
3. التعليم والعمل الاجتماعي
عملت معلمة، وأسست حضانة (أم إيهاب النموذجية) في الخرطوم عام 1967، وكرّست جزءًا كبيرًا من حياتها لتربية الأطفال والتعليم.
حياتها الشخصية
ـ تزوجت آسيا عبد الماجد من الشاعر السوداني العالمي محمد مفتاح الفيتوري، وأنجبت منه أبناء، منهم تاج الدين وسولارا، وكانت حياتها الزوجية مرتبطة بالوسط الثقافي والفكري.
وفاتها المأساوية
ـ في واحدة من أكثر النهايات حزنًا في تاريخ الفن السوداني، توفيت آسيا عبد الماجد في 3 مايو 2023، عن عمر ناهز 80 عامًا، إثر إصابتها بطلق ناري خلال الاشتباكات المسلحة في الخرطوم بحري بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وبسبب الظروف الأمنية، دُفنت في نفس المكان الذي كانت تعمل فيه (أرض الحضانة التي أسستها)، بعد تعذر نقل جثمانها إلى المقابر.
كانت وفاتها صدمة كبيرة للأوساط الفنية، إذ رحلت وهي واحدة من رموز الثقافة السودانية.
إرثها وتأثيرها
أول ممثلة سودانية في التاريخ.
كسرت القيود الاجتماعية المفروضة على المرأة.
ساهمت في تأسيس المسرح السوداني الحديث.
جمعت بين الفن والتعليم والعمل المجتمعي.
أصبحت رمزًا للنضال الثقافي والنسوي.
لقد لم تكن آسيا مجرد فنانة، بل مشروع وعي كامل، حملت على عاتقها مهمة تغيير نظرة المجتمع للفن والمرأة، ونجحت في ذلك رغم التحديات.
سيرة وطن.. لا سيرة فنانة فقط
قصة آسيا عبد الماجد ليست فقط سيرة فنانة، بل حكاية وطن، وصراع مجتمع مع نفسه، وانتصار الإرادة على القيود.
بدأت حياتها من خشبة مسرح متواضع، وانتهت في قلب حرب.
هي ليست فقط (ممثلة السودان الأولى)، بل أيقونة ثقافية خالدة، ستظل حاضرة في ذاكرة الفن السوداني والعربي.
لها الرحمة والمغفرة.












