بلا ميعاد : عوض أحمد عمر
- لم يكن نادي الهلال يومًا مجرد نادٍ لكرة القدم، بل كان فكرة وطنية وواجهة حضارية، ارتبطت منذ نشأته بالخريجين ورواد الوعي والاستنارة فكرًا ومنهجًا، وبروح ثورية مبادرة قاومت الاستعمار وأسست لخطاب مختلف داخل المجتمع. وفي الرياضة، على وجه الخصوص، شكّل منظومة قيم مرجعية وفتح الطريق للجميع.
- لذلك، فإن ما أقرّته الجمعية العمومية بالأمس من تعديلات على النظام الأساسي، وبخاصة خفض شرط الترشح لمجلس الإدارة من “الشهادة السودانية كحد أدنى” إلى مجرد “معرفة القراءة والكتابة”، لا يمكن وصفه إلا بأنه انتكاسة لا تشبه الهلال ولا تشرّف جماهيره.
- هذا التعديل لا يمس شرطًا إجرائيًا بسيطًا، بل يضرب في صميم فلسفة النادي التي قامت على الوعي والاستنارة والكفاءة والريادة.
- فالهلال لم يكن يومًا مساحة لتجريب الحد الأدنى من المؤهلات، بل منصة للنخبة القادرة على اتخاذ القرار وصناعة الفارق وإدارة مؤسسة بحجم تاريخه وتفرّد جماهيره.
- فكيف يُعقل أن يتراجع هذا الإرث إلى مستوى لا يليق حتى بإدارة كيان أصغر، فضلًا عن نادٍ بحجم الهلال وتاريخه المشرّف؟
- إن مجلس الإدارة القادم، إن قام على هذا الأساس الجديد، سيكون مهددًا بفقدان أهم ما يحتاجه، وهو احترام الجماهير، واحترام الوسط الرياضي، وحتى احترام المؤسسات التي يتعامل معها.
- ومن هنا، يصبح لزامًا على المجلس الحالي أن يخرج للرأي العام ويكشف بوضوح ما الضرورات التي دفعت إلى هذا التعديل المستفز؟ هل هو عجز في إيجاد كوادر مؤهلة؟ أم محاولة لفتح الباب أمام مصالح ضيقة؟
- إن الصمت في هذه اللحظة لا يُفسَّر إلا كتواطؤ مع تراجع خطير لا تقبل جماهير الهلال حتى مناقشته.
- الهلال الذي ارتبط تاريخيًا بالخريجين، وبرزت قياداته كرموز للفكر والتنظيم وحسن الإدارة، لا يمكن أن يتقهقر في زمن الحداثة والعولمة وانتشار التعليم.
- العالم من حولنا يرفع معايير الإدارة والحوكمة، ويشترط الكفاءة والخبرة، بينما نختار نحن خفض السقف إلى أدنى درجاته… أي عبث هذا؟ وأي استخفاف بالقيم والتاريخ؟
- أي رسالة نبعث بها للأجيال القادمة؟ وأي صورة نرسمها لنادٍ كان في طليعة التحديث وكتب تاريخًا مشرقًا بأحرف من نور؟
- إن الجمعية العمومية التي أجازت هذا التعديل ستُسجَّل، للأسف، كواحدة من أضعف الجمعيات التي مرّت على الهلال؛ جمعية لم تستطع حماية حقوق النادي، ولا صون إرثه، ولا الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التي أُنيطت بها.
- أما المجلس الذي ستفرزه هذه الجمعية، فهو مجلس يفقد، منذ لحظة ميلاده، شرف “الاختيار المؤسسي” والالتزام بالتاريخ الراسخ في وجدان الجماهير الغالبة.
- فكيف يُبنى على قاعدة مختلة، ثم يُنتظر منه أن ينتج إدارة محترمة تحافظ على الهلال ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا؟
- وكيف يُطالَب لاحقًا بالشفافية والمحاسبة، وهو نفسه جاء عبر رافعة مثار جدل؟
- الأخطر من ذلك أن أي إداري سيدخل مجلس الإدارة مستفيدًا من هذا التعديل المعيب لن يحظى بقبول القاعدة الهلالية، بل سيكون محل سخطها وغضبها؛ لأن الجماهير تدرك أن تمثيل الهلال ليس امتيازًا شخصيًا، بل مسؤولية تتطلب حدًا أدنى من التأهيل والقدرة.
- ومن يقبل الدخول عبر هذا الباب، عليه أن يتحمل تبعاته كاملة.
- وهنا، فإن المسؤولية مضاعفة على رئيس الهلال؛ فعليه أن يدرك أن الهلال لا يُدار بالمال وحده، مهما بلغ تأثيره. نعم، المال عنصر مهم، لكنه لا يعوض غياب الكفاءة، ولا يبرر التنازل عن المعايير.
- المطلوب اليوم موقف شجاع: مراجعة هذا التعديل، وتدارك الخطأ قبل أن يتحول إلى واقع يصعب التعايش معه، وتقديم مجلس إدارة يعكس تاريخ الهلال لا أن يتناقض معه.
- لقد ارتبطت نشأة الهلال بالخريجين، وبالنضال ضد الاستعمار، وبالريادة في كل جديد. وهذا الإرث الممتد لما يقارب قرنًا من الزمان لا يجوز أن يُختزل في تعديل معيب أو غير محسوب العواقب.
▪️ آخر الكلم ▪️
- لم يعد التصحيح خيارًا، بل أصبح واجبًا لا يقبل التأجيل.
- وعلى مجلس الإدارة الحالي، وعراب الجمعية على وجه الخصوص، أن يدركوا أن الشرعية تُبنى على القيم، لا على الإجراءات المشوّهة، وأن هيبة الكيان تُصان بالكفاءة لا بالتنازلات.
- فالهلال الذي قاد الوعي وارتبط بالنخبة، لا يليق به أن يُدار بمنطق الحد الأدنى، ولا أن يُختزل تاريخه في تسويات باهتة تسيء إلى مجده المضيء.
Omeraz1@hotmail.com













