بالعربي
عطية عبدالكريم
منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، وبكل أسف، تفرقت السبل بالسودانيين، وتشتت شمل الكثير من الأسر التي لم يكن بُدٌّ لها من أن تغادر إلى أماكن آمنة، كلٌّ وفق ما تقتضيه ظروفه المادية والأسرية.
ولعلاقة حسن الجوار والبعد الجغرافي، وما يربط بين البلدين من تاريخ وحضارة، اختار معظم السودانيين الجارة مصر لتأويهم في أشد المحن التي يمر بها السودان منذ الاستقلال.
حسناً فعلت، وكما العهد بها والظن، فعلت الحكومة المصرية، إذ أحسنت وأكرمت الوافدين إليها من نار الحرب المستعرة، فذللت الصعاب في دخولهم عبر المعابر والمنافذ، وظلت أبوابها مفتوحة في وقت أوصدت فيه دول عدة كل نوافذ الدخول إليها، بمن فيهم إثيوبيا، التي بانت نواياها الحقيقية، وتكشفت ما تضمره حكومة آبي أحمد، التي يمتطيها قادة الدول التي تأبى استقرار السودان وأهله.
فرادى وجماعات وصل السودانيون إلى مصر، عبر المنافذ وطرق التهريب الوعرة التي تعلمها مصر، لكنها غضت الطرف بروح المحبة والأخوة، وليس بإهمال الجاهل أو «العبيط».
ولكن..
برزت في الآونة الأخيرة حرب الغرف الإلكترونية، التي تهتف وتنادي بإبعاد السودانيين، وتكيل لهم الشتم والسباب بأفظع ما يكون، فتارة تصفهم باللاجئين، وتارة أخرى بالعبيد، وتحملهم مسؤولية الاختناق الاقتصادي في مصر وارتفاع تكاليف الحياة اليومية.
واتخذ بعض المرجفين و«المحرشين» من بعض الحوادث الفردية «فرية» وذريعة للنيل من السودانيين، وكأنها حملات متفق عليها وتتم بتنسيق تام من بعض الفئات الدخيلة على المجتمع المصري، وما هم بالمصريين الذين نعرفهم وتعايشنا معهم منذ أن كانت مصر والسودان «حتة واحدة».
ومصر تحمل على أراضيها الملايين من غير أبنائها، خاصة من سوريا واليمن والدول الإفريقية المجاورة لمصر، وجنوب السودان بصفة خاصة.
وتعداد المصريين في الأصل كبير جداً، وبالكاد تكاد مصر تسيطر على اقتصادها وتحافظ عليه من التضخم، وتعمل على التوازن وتخفيف أعباء المعيشة، وهذا أمر مفهوم، ولكن ما لا يمكن قبوله هو أن ينساق بعض الإعلاميين المصريين وراء هذه الحملات العدوانية التي تؤسس لصراع وكراهية بين الشعبين الشقيقين.
وهذه الفئة، بلا شك، تمثل قلة قليلة من المصريين، وبعضهم ينساق وراء المحرضين بجهل وعواطف قد تكون مفهومة للضائقة الاقتصادية التي تمر بها مصر.
وعلى العقلاء من أبناء مصر الشقيقة والسودانيين المقيمين هناك تفويت الفرصة على كل هؤلاء الذين لا يعرفون، وربما يعرفون ويتجاهلون، أن مصر والسودان «عينان في رأس واحدة»، وجسد واحد، ما يمس أحدهما يؤلم الآخر.
وقد يجهل هؤلاء أن السودان ومصر يجمعهما المصير المشترك، وأن حضارتي وادي النيل والثقافة السودانية والمصرية امتداد عبر آلاف السنين.
فالأمن القومي للبلدين أكبر من أن تعبث به أيادي المرجفين والجهلاء. وتمتد هذه العلاقات بين البلدين لآلاف السنين، وتعد من أعمق العلاقات وأهمها في القرن الإفريقي، ولا يعكر صفوها ثلة ممن يديرون الغرف الإلكترونية مدفوعة الثمن.
وبمحض إرادتهم شاركت القوات المسلحة السودانية في حرب 1973 بأكثر من خمسة ألوية وكتيبتين، بدواعي المصير الواحد والمشترك، وإيماناً بالإخاء بين البلدين، واستشعاراً بالمسؤولية تجاه أمن مصر القومي وسيادتها.
كما أن القبائل النوبية الممتدة داخل البلدين، من حضارة مملكة كوش والممالك النوبية العظيمة، توضح جلياً أن الشعبين الشقيقين ما هما إلا «فولة وانقسمت».
فلنحيا بذات المحبة والسلام، ولنُفوّت الفرص على هذه الأصوات الدخيلة على الشعبين.
ودعوتي لأبناء الجالية السودانية في مصر أن تعاونوا على تمثيل وطنكم، وكونوا خفافاً على مصر.
وتزينوا بأخلاق السودانيين المعهودة، ولنراعِ أننا ضيوف على بلد تخنقه كثافة سكانية، ودول إفريقية شرّدت الحروب والضوائق الاقتصادية أبناءها فلجؤوا إلى مصر.
وقد يختلط الأمر على الأشقاء المصريين، فبالنسبة لهم كل ما هو «أسمر» هو سوداني.
فلنعكس بسلوكنا وطناً تفتك به الحرب، ويتآمر عليه بعض أبنائه مع دول كنا نرجو حسن جوارها، وحملنا أبناءها بين ظهرانينا، فجاءت طعنتهم في خاصرة الوطن في أول محنة، وهنا أعني حكومة إثيوبيا، التي سخرت كل إمكاناتها لمليشيا الدعم السريع، في محاولة منها ومن معها لكسر شوكة السودانيين وضرب العلاقات بيننا وبين مصر.
وإلى حين عودة لوطن معافى، اجعلوا من سيرتنا في مصر سيرة عطرة، وليس «قلة تُكسر خلفنا بعد مغادرتنا».
بالعربي الفصيح..
- عاشت مصر.. عاش السودان.. وعاشت وحدة وادي النيل.
- لن يقوى أحد على فصل الرأس عن الجسد بين حضارتي وادي النيل.
- سلوك السودانيين في مصر، في شوارعهم ومنازلهم، جامعاتهم ومدارسهم، مظهرنا وجوهرنا، يجعل منا سفارة عظيمة للسودان، فلنتحد لننشر وعياً وثقافة حول وطن يستحق أن نمثله خير تمثيل.
- ومن أجمل ما ورد هذا الأسبوع خبر تعيين سعادة السفير د. كرار التهامي وعودته إلى وزارة الخارجية، وهذا بلا شك إضافة كبيرة لدروب يخبرها سعادته جيداً، وقد ظل لسنوات طويلة مسخراً جهده للجاليات السودانية في الخارج، لا سيما في المملكة العربية السعودية بصفة خاصة.













