محمد صالح عبدالله يس ـ باريس
رسالتك لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت أشبه بمرآة أعادتني إلى تلك الأيام الجميلة التي تقاسمنا فيها الحياة والحلم، وتعلمنا معاً كيف نصغي لنبض القصيد ونروض القريض.
فقد تعلمنا من كتاباتك فنون الشعر ونظم القريض وحشد الحروف وسبكها، وأذكر أنك أهديتني ديوان «السمندل» للشاعر والأديب محمد عبد الحي، وما زلت أحتفظ بهذا الديوان في بيتي، وبه توقيعك الساحر.
وأكاد أجزم أنني لم أجد في حياتي شخصاً موهوباً في الخط العربي بمختلف مسمياته، يرسم الحرف العربي بالطريقة التي يرسمها قلمك، ودونك شهود دفعتك: دكتور هاشم عبدالله حسن، وعباس محمد صالح، وإبراهيم رمضان، وعبد الجبار عبدالله، والعقيد معاش محمد أحمد الرضي، بل دفعتك كلها شهدت بما تخطه يمينك. وقد ورد في الأقوال المأثورة أن «يد الخطاط تسبقه إلى الجنة».
الأستاذ بخيت عبيد زاوج بين أصعب لغتين؛ الإنجليزية والعربية، فهو عبارة عن جسر حي بين لغتين وروحين، لا يكتفي بأن يعبر عليهما، بل يعيد تشكيلهما ويعجنهما ويصفيهما في هيئة أكثر صفاءً ودهشة.
فهو شاعر نحرير متمكن، يكتب الشعر العمودي بإيقاعه الرصين، كما يُحسن نظم المقفى بروح متدفقة لا تعرف التكلف، فتأتي كلماته مشبعة بالموسيقى والمعنى معاً، ومن يقرأ قصائده المقفاة تنقله إلى عصر البحتري.
وكنت في بدايات حياتي أحاول كتابة الشعر، وكان يساعدني ويوجهني في تصحيح القصيدة. وأذكر أنني كتبت قصيدة سميتها «سمراء»، وذهبت إليه في داره القريبة منا، وقرأتُها بين يديه، وكان من ضمن أبياتها:
«جئتك راكباً طيفي من مفازاتي
أحمل إليك تباريح صباباتي»
فعدلها وصوبها لي، فأصبحت:
«أتيتك راكبَ طيفي من مفازاتي
أسوق إليك تباريح صباباتي»
وما زلت أحتفظ بهذه القصيدة، وأعتبرها من رغوة الشباب، ولم أنشرها أو أحدث أحداً عنها إلا أنا والأستاذ بخيت.
غير أن فرادته لا تقف عند حدود الشعر، بل تمتد إلى عالم اللغة، حيث تشرب الإنجليزية حتى أتقنها علماً وذوقاً، فكان شكسبير زمانه وطاغور عصره. وقد ابتعثته وزارة التربية والتعليم إلى بريطانيا، فنال فيها درجة الماجستير.
وكان من الأربعة الكبار من أبناء أم كدادة الذين برعوا في الإنجليزية، منهم الأستاذ أحمد بابكر محمد، والأستاذ محمد تجاني، والأستاذ حسب خليل، وقطعاً هناك آخرون غيرهم.
ثم عاد بخيت من لندن يحمل أسفار الإنجليزية وأسرارها، لا كأداة جامدة، بل ككائن حي يعيد تشكيله بإحساس لغوي أصيل.
كان مترجماً لا ينقل الكلمات فحسب، بل ينقل هوياتها وأعماقها من جوف الخلاء الداخلي لصدره العامر بقواميسها وتراجمها. فإذا تناول الأمثال العربية، تلك التي تستعصي على النقل، صاغها بالإنجليزية كأنها وُلدت فيها، محافظة على حكمتها ومتألقة بسحر جديد.
واسألوا طلابه الذين تتلمذوا على يديه في سلطنة عمان، التي قضى بها ما يقارب الثلاثين عاماً.
ونواصل…













