(تيارات)
إبراهيم العمدة خوجلي
فهم الغاية السلوكية للتصوف تعني، في الأصل، التربية النفسية والتزكية وتهذيب الأخلاق. فعندما يُنظر إليه كعلم لتصفية القلب، يكون ذلك بالنظرة المتزنة المتمثلة في الزهد والتربية الروحية، ورفض كل ما يشوه صورته الجمالية، بعيداً عن النظرة العصبية للطريقة أو الشيخ. فالإحترام المتبادل، وإنزال هؤلاء الشيوخ منازلهم، يكفي ويعزز هذا المفهوم الصحيح، والذي يجب التقيد بأدبياته.
نأمل إعادة التصوف إلى سابق عهده الراسخ في قلوب الأتباع والمريدين، نقياً خالصاً، محباً لله، بعيداً عن المشاكسات الشكلية التي كثيراً ما نالت من صورته الزاهية، وأدت إلى تذمر من حوله. والكلام هنا مطلق يُعنى به التصوف في مجمله، وغير مرتبط بجزئية بعينها، أي لكل من نهل من مشربه ولا يزال.
ونلاحظ في مشايخنا الكبار الذين عايشناهم سنين عدداً قبل هذه المتغيرات الطفيفة والمقدور عليها، أنهم كانوا يعملون على إصلاح كل من تمكنت الدنيا من قلبه، وطغى الجانب المادي على الروحي، وجفت المشاعر، وتقطعت الوشائج بين البشر بعضهم البعض، وبينهم وبين عبادتهم الصحيحة.
نعم، كان التصوف بمفهومه ومعناه الحقيقي، والمتمثل في استقامتهم سلوكاً وعملاً، هو القادر على بعث هذه الروح من جديد، وإصلاح فساد القلوب، وإزالة ما شابها من صدأ.
نحن اليوم بحاجة إلى قيم وأخلاق ومشاعر المتصوفة لمداواة القلوب وإنقاذها من الغرق في كدر الدنيا، والطمع في حطامها الزائل، والحفاظ على ما يكنه الناس في صدورهم للمنتسبين إليه، والحرص كل الحرص على ما يعينه على أداء رسالته في خدمة الدين والدعوة إلى الله.
فإذا كان التصوف يُعرف بأنه روح الدين، فأين هذه الروح للمنتسب الذي يلهث وراء حطام الدنيا، ويتشبث بمتاعها الزائل، وتحركه شهواته وغرائزه؟!
أين الروح والأمور القلبية في تلك السلوكيات؟!
علينا التقيد بغرس القيم والأخلاق، لأن التصوف هو علم الأخلاق، وعلينا اقتفاء أثر الصالحين باعتبارهم النموذج والقدوة، وبيان أخلاقهم وآثارهم الطيبة في الصدق والأمانة والحب والتآخي والانتماء للوطن، وغير ذلك من القيم.
التصوف، لمن يجهله، به علماء ومفكرون ودعاة ومصلحون، يجب تتبع أقوالهم وأفعالهم والاقتداء بهم. فالاقتداء بمشايخ الطرق الصوفية يعد من علامات إخلاص النية، وصدق هؤلاء يكمن في الاهتمام بالعقل والفكر، ولولا ذلك ما كانت طريقتهم أقوم الطرق.













