بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
بعد غيابٍ خمس سنوات حملتُ حقائبي عائداً إلى بلادي عبر ناقل جوي وطني. كنتُ غارقاً في مشاعر متناقضة، لكنني لم أكن سعيداً؛ ففي غيابي فقدتُ أختي الصغيرة الودودة (نادية) وخالي (السر)، وخالتي (سعاد)، وكثيرين من أهلي وأصدقائي. وإن أردت الصدق فقد كنتُ حزيناً غير مبال بشيء، لا تبدو عليّ سمات العائد إلى وطنه بعد غيابٍ قسري فرضه غزاةٌ احتلوا قريتي وشردوا أهلي الذين انتقل بعضهم للدار الآخرة ودفنوا في بلادٍ بعيدة. والطائرة تحوم في سماء بورتسودان باحثة عن مطارها ملأت عينيّ بمناظر المدينة.. مبانٍ باهتة جاورت البحر، وشوارع (غبشاء)، وشجيرات شاحبة تجمعت هنا وهناك، وأعشاب حول مدرج المطار جللها الشيب تقول إن بورتسودان شهدت أمطاراً مبشرة هذا العام.
وحين وطئت قدماي إسفلت المطار تذكرت قول شوقي حينما عاد من المنفى:
ويا وطني لقيتك بعد يأسٍ … كأني قد لقيتُ بك الشبابا
حول سير العفش زاحم الحمالون بعربات نقل العفش المسافرين العائدين من الخليج. قلت لأحدهم: “أين أجد عربات نقل العفش هذه؟” قال لي: “ما في عربات مجان هنا. دي أنا أستأجرتها!” قلت له: “لماذا تدخلون صالة القدوم وتزاحمون الركاب؟!” تجاهل سؤالي وقال: “أطلع لك عفشك؟”.
شكرته وحملت حقيبتيّ وخرجت. لم أجد ورفاقي القاصدون الخرطوم إلا عربة شريحة واحدة طيبا سائقها، انحشرنا فيها نحن ال١٤ بعد أن دفع كل واحد منا (250) ألفاً..
بعد أن ودعنا بورتسودان ووضعنا البحر يسارنا أدهشتني سواكن التي ازدهرت عمرانياً وارتفعت مبانيها وكنت قد رأيتها قبل عشرين سنة تقريبا. كانت طرقاً ترابية و(حيشان) حطب وأكواخا بائسة، وكذا تغير وجه (جبيت) و(سنكات).. حركة دؤوبة وشباب يلعبون الكرة، ووادٍ عريض اعتلاه طريق الخرطوم – بورتسودان المتهالك. عقبة بورتسودان بمنعطفاتها وسياراتها المعطلة، وشجيرات على حواف الجبال ذكرتني اليمن!
بعد (صمد) جئنا (هيا) التي فارقنا فيها الطريق المتجه إلى (دورديب) وكسلا، وسلكنا طريق عطبرة الذي أوصلنا بعيد المغرب إلى (مسمار) التي صلينا فيها المغرب والعشاء وتناولنا فيها عشاء مبكرا واستعجلنا الخروج منها خوف أن يجبرنا (المرور) على المبيت فيها!.












