ساهم في تأسيس مسرح يناقش قضايا المرأة

بقلم ـ عصام أبوالقاسم
كانت مسرحية «عنبر المجنونات» أول عرض مسرحي سوداني أشاهده مباشرة. وهي من تأليف الكاتب الجميل عادل إبراهيم محمد خير، ومن إخراج المبدع الراحل عماد الدين إبراهيم.
لم تكن مدينتنا القصية المنسية في الهامش، «خشم القربة» ـ التي تبعد 500 كيلومتر عن الخرطوم ـ من المدن التي تزورها العروض المسرحية المنتجة في العاصمة. وفي مرات نادرة، كانت تأتي عروض الرائد الراحل الفاضل سعيد، وتُقدم غالباً في فضاءات يتم إعدادها إعداداً، إذ لم تكن هناك خشبات مسرحية ولا مساحات تسع جمهور الكوميديان الكبير، لكن أسعار تذاكرها كانت فوق طاقتنا، فلم نحضرها.
وفي يوم ما، جاءت مسرحية «عنبر المجنونات» وقدمت على مسرح مدرستي الثانوية.
سحرتني المسرحية وأنا أشرئب وسط زحام هائل ضاقت به المساحة الممتدة أمام الخشبة. رأيت يومها الممثلة القديرة حنان الجاك وهي تؤدي دور الشابة السودانية التي استلبتها المسلسلات المصرية، فتقمصت شخصية «ليلى علوي»، ورأيت نادية أحمد بابكر في دور الفتاة المسترجلة، والعملاق نبيل متوكل ـ رحمه الله ـ وفوق ذلك كله، انطبع في وجداني صوت حنان النيل وهي تردد بصوتها الأثير تلك الأغنية التي سكنت ذاكرتي: «مجنونة أخير من الواعيات».
لم يفسد ذلك المشهد سوى تدخل رجال الشرطة لتنظيم المتزاحمين، إذ راحوا يجلدونهم بأسواط «العنج».
تفاصيل صغيرة أخرى، بينها عاطف خيري، هي ما دفعني لاحقاً للالتحاق بكلية الموسيقى والدراما لدراسة المسرح.
ظللت أتابع أعمال عماد الدين إبراهيم، وأعجبني مشروعه في تأسيس وبلورة مسرح يناقش قضايا النساء، عبر أعمال وجدت إقبالاً جماهيرياً منقطع النظير أيامها، مثل: «بيت بت المنى بت مساعد»، و«عنبر المجنونات»، و«ضرة واحدة لا تكفي»، و«موعودة بيك»، و«برلمان النساء»، و«نسوان برة الشبكة».
كما أدهشتني مهاراته الدراماتورجية ومقارباته الإخراجية بتوليفاتها البصرية والسمعية، وأسرتني أشعاره الغنائية الباقية: «لأنك عندي كل الخير»، و«صباحات شوقنا»، و«مشاوير المحبة».. يا له من مبدع ساحر!
منذ يومين، وأنا أشتغل على مادة حول حضور المسرح السوداني في المشهد الثقافي الأردني، اندهشت من كثرة العروض السودانية التي استضافتها عمّان. وعثرت على مقالة رشيقة للمخرج والممثل الأردني خالد الطريفي ـ الذي لم أقرأ له مراجعة لمسرحية من قبل ـ عن عرض «عنبر المجنونات» حين قُدم في مهرجان المسرح الأردني في نوفمبر 1999. ولفتني فيها أن الطريفي يذكر أنه شاهد المسرح السوداني منذ عام 1984.
واكتملت دائرة الغبطة حين وجدت تسجيلاً للفصل الأول من المسرحية أتاحته وزارة الثقافة الأردنية على «يوتيوب»، ولعله الشريط المصور الوحيد لهذا العمل، الذي أعدّه من روائع المسرح السوداني الخالدة. وأرجو أن تكمل الوزارة جميلها وتتيح لنا الجزء الثاني أيضاً.









