بالعربي
عطية عبدالكريم
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة جزءاً أساسياً من حياة السودانيين داخل السودان وخارجه، وتحولت من مجرد منصات للتواصل وتبادل الأخبار إلى ساحات واسعة للتأثير والشهرة وصناعة المحتوى. ومع هذا التحول ظهر هوس واضح بما يُعرف بـ«الريتش»، أي الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، حتى أصبح عند البعض غايةً تتقدم أحياناً على القيمة والمعنى والأخلاق.
في السابق كان الناس يبحثون عن الاحترام والتقدير الاجتماعي من خلال العلم أو العمل أو المواقف النبيلة، أما اليوم فقد أصبح عدد المشاهدات والإعجابات والمتابعين معياراً جديداً للنجاح عند كثيرين. هذا التغير لم يكن حكراً على السودانيين وحدهم، لكنه ظهر بصورة مؤلمة في بعض الأوساط السودانية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بدأ مستوى الخطاب والمحتوى في الهبوط بشكل ملحوظ.
صار البعض مستعداً لفعل أي شيء من أجل جذب الانتباه؛ نشر الخلافات الأسرية، والسخرية من الآخرين، وافتعال المشاكل، واستخدام الألفاظ الهابطة، أو حتى التقليل من القيم والعادات السودانية المعروفة بالاحترام والحياء. وأصبح الجدل والإساءة وسيلة سريعة للوصول، لأن خوارزميات المنصات تكافئ المحتوى المثير بغض النظر عن جودته أو فائدته.
المؤسف أن هذا السلوك بدأ يؤثر على صورة المجتمع السوداني نفسه، خاصة لدى الأجيال الصغيرة التي تنشأ وهي ترى أن الشهرة يمكن أن تتحقق عبر الضجيج لا عبر الموهبة أو الفكر أو الأخلاق. كما أن بعض صناع المحتوى باتوا يقيسون نجاحهم بعدد «الترندات» لا بمدى الأثر الإيجابي الذي يتركونه في الناس.
ولا يمكن إنكار أن الظروف الاقتصادية الصعبة لعبت دوراً في ذلك؛ فالكثيرون وجدوا في وسائل التواصل الاجتماعي مصدر دخل وفرصة للهروب من البطالة وضيق المعيشة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المال أو الشهرة مبرراً لتجاوز كل الحدود. فليس كل انتشار نجاحاً، وليست كل شهرة تستحق الاحترام.
وما يحدث اليوم من مستوى ركيك جداً في التعاطي بين الفنانين، الذين يُفترض أنهم مقياس وقيادات للحركة الثقافية في السودان، لهو أمر مخجل ومؤسف.
فالتراشق بالكلمات، بل وحتى السباب والشتم وإلقاء التهم بمنتهى الجرأة في العرض والشرف، أصبح أمراً مباحاً وسهلاً لدى بعض الأوساط الفنية، بل وصل الأمر ببعضهم إلى التهديد، وتسجيل المكالمات، ونشر الفيديوهات العارية.
وفي المقابل، لا تزال هناك نماذج سودانية مشرّفة تقدم محتوى راقياً ومفيداً في مجالات الثقافة والتعليم والكوميديا النظيفة وريادة الأعمال والإعلام. هؤلاء يثبتون أن الوصول الحقيقي لا يحتاج إلى إسفاف، وأن الجمهور السوداني ما زال يقدّر الكلمة المحترمة والمحتوى الصادق.
المطلوب اليوم ليس محاربة وسائل التواصل الاجتماعي، بل إعادة التوازن إليها. نحتاج إلى وعي مجتمعي يشجع المحتوى الهادف، وإلى جمهور يتوقف عن دعم التفاهة فقط لأنها مثيرة أو مضحكة للحظات. كما يحتاج صناع المحتوى أنفسهم إلى إدراك أن الشهرة السريعة قد تمنح المال لبعض الوقت، لكنها لا تبني قيمة حقيقية ولا تترك أثراً محترماً.
في النهاية، تبقى وسائل التواصل أداة يمكن أن تبني مجتمعاً واعياً أو تساهم في هدم الذوق العام، والفرق يصنعه المستخدم نفسه. فالريتش الحقيقي ليس في عدد المشاهدات فقط، بل في جودة ما نقدمه، وفي الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي التصفيق المؤقت.









